في بلد يعمل بشكل كامل على نمط استهلاكي دون إيلاء أي أهمية للإنتاج، كان من المتوقع أن يشهد إنهيار في قدرته على الإستمرار في هذا النمط بعد سنين طويلة من الصرف دون أي إنتاجية، حيث ترخي أزمة الفيول بظلالها على كافة القطاعات في البلد وتؤثر بها بشكل كبير. فمن إرتفاع أسعار العدد من السلع والخدمات، إلى إختفاء جزء أخر منها، يعزو الجميع السبب إلى إنقطاع/إرتفاع تسعيرة الفيول.

بعيداً عن المشاكل المعيشية، أين يصاب الأمن من كل ما يحصل؟

كان لافتاً مؤخراً الأحاديث المتواترة بين المواطنين في مختلف المناطق اللبنانية عن تراجع ملحوظ لدوريات القوى الأمنية والجيش اللبناني، كما وأصبحت الحواجز المتنقلة نادراً ماتتم اقامتها وفق شهود عيان من مختلف المناطق اللبنانية.إذا ما صح هذا الامر، فإن أزمة الفيول غالباً هي السبب في التأثير على مهام هذه الأجهزة.

ليس الموضوع غير ذي أهمية أو دون مستوى الخطر للإضاءة عليه، انما هو بمكان ما، موضوع حساس جداً ويتعلق بالأمن القومي. إن غياب الدور الرقابي للأجهزة الأمنية، أو تضاؤله، ينعكس مخاطر جمة على المجتمع. فمن تفشي الجريمة ذات الأبعد الإجتماعية والإقتصادية، إلى إنتشار السلاح وتفلت الأمن في حوادث شبه يومية، وصولاً إلى عبور الأشخاص على الحدود عن طريق المعابر غيرالشرعية كونها الطريقة الأقل تكلفة بعد فرض الأمن العام إلزامية إجراء فحص كورونا ووضع شروط محدودة لمن يرغب بالدخول إلى لبنان من سوريا، وبالتالي يتواجد في لبنان عدد لا بأس به من الاجانب من غير حملة الإقامة والذين يصعب تقفي اثرهم أو ملاحقتهم في ظل تداعيات الأزمة السابقة الذكر.

أحد رتباء قوى الأمن الداخلي الذي رفض الكشف عن إسمه، اعتبر أن عدد الدوريات والمهام لم يتأثر بالشح في مادة الفيول ولكن ما تأثر هو القدرة الاستيعابية لهذه المهام خصوصاً وأن الأمن السياسي غير مستقر أو منظم في البلد ومصحوب بفلتان أمني،مما يستدعي الحاجة إلى أن يتضاعف عدد الدوريات إلى ثلاث مرات وهو ما لم تعد الأجهزة قادرة على القيام به بسبب الشح في مادة الفيول، واشار الىوجود أسباب إضافية لهذا التأثر ومنها عدم وجود آليات كافية كما وسبب أخر أهم يتمثل بتوقف باب التطوع منذ عامين، منذ أن أقر مجلس النواب تجميد التسريح من الأسلاك العسكرية وعدم التوظيف، في ظل تواجد حوالي ٨٠٠٠ عسكري بإنتظار الإنضمام بعد أن نجحوا في إجتياز الدورات والإمتحانات.

وإعتبر أن هذا الأمر يشكل ضغطا على الأجهزة للعمل بجهوزية مضاعفة إلى ثلاث مرات، فشرطة بيروت على سبيل المثال تعمل بنظام دوريات ٦-١٢ بينما هي في واقع الأمر بحاجة إلى ١٨ دورية مع ما يجري من أحداث وتطورات فيما خص البنزين، الافران، الحواجز الأمنية، سجون، مواكبة سجناء، تأمين مراكز أمنية حيوية كالمؤسسات الأمنية ومراكز الدولة ... إلخ.

ولفت الى أن الأجهزة بحاجة إلى عديد اولا، معترضاً على التذرع بالتمويل مؤكداً أن المؤسسات العسكرية لا تمولها الدولة بالدرجة الأولى انما الإتحاد الأوروبي والهبات، وما يؤكد عدم وجود عجز هو عدم الإستغناء عن الموظفين المدنيين من معقبي معاملات وموظفي شركة الكهرباء والدوائر العقارية والإستعاضة عنهم بعديد لقوى الأمن والأمن العام للعمل على الأمن الداخلي خصوصاً وأن هذا الامر ليس من مهام الجيش الأولى مهما بلغ عديدها في مقابل عديد منخفض لقوى الأمن الداخلي يتراوح بين ١٨ إلى ٢١ ألفا،وأكد أن عدم التسريح من الخدمة بعد ١٨ عاما يراكم على الجهاز تكاليف إضافية على الدولة كون التعويض يتضاعف، وبالتالي إنه من الأجدى أن يتم الإستعانة برتباء قوى الأمن لتعيينهم ضباط عوضاً عن المجيء بضباط من الخارج لتفادي التخمة في هذه الرتب وبالتالي تخفيف عدم الفعالية في أداء العديد والتكاليف الاضافية.

وأشار إلى أن سلسلة الرتب والرواتب لم يستفد منها العسكري سوى بالقليل، بينما إستفاد منها المدني بشكل كامل، وإنه لمن المجحف أن يلقى باللوم على السلك العسكري في التسبب بالتضخم المالي، معتبرا أن كل ما حصل ويحصل يفضي الى تحطيم معنويات العسكر الذي لولاهم لما كانت البلاد تقف على ما تبقى من أمن وأمان منذ السابع عشر من تشرين الأول ٢٠١٩ حتى يومنا هذا.

من ناحية أخرى، رأى ان موضوع المعاشات عبء كبير على سير الأمور خصوصاً مع فقدان الراتب ٤٠٠ إلى ٥٠٠ بالمئة من قيمته الفعلية، وحاجة العديد إلى بدلات نقل باهظة، فروقات ضمان خيالية (فرق العملة)، شح في الأدوية في الصيدليات العسكرية والحاجة للإعتماد على السوق السوداء لتأمين المقطوع، وغيرها من الأمور التي باتت تتخطى قدرة العسكري على تحملها،واعتبر أنه وعلى الرغم من كون عدد الفارين من الخدمة في قوى الأمن قليل مقارنة مع الفارين من الجيش اللبناني، أنما هو في واقع الأمر نسبة مئوية متقاربة ومماثلة كون عديد الجيش يفوق عديد قوى الأمن.