مع فشل الحكومة المستقيلة في تحمّل مسؤولياتها وتسهيل شؤون المواطنين في ظلّ الأزمات الخانقة التي يعيشها كونها حكومة تصريف الأعمال منذ أكثر من عام، وفي ظلّ دعوات سابقة من قبل الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله للدولة اللبنانية بالإتجاه شرقاً مع الحصار الأميركي والغربي المفروض على لبنان، عاد سيّد المقاومة وأمسك زمام تأمين المحروقات للبنانيين بيده، عن طريق استيرادها من إيران بالليرة اللبنانية عبر البواخر التي يستوجب وصولها الى لبنان بين 12 و15 يوماً، على أن يُصبح مسار السفن الإيرانية مستمرّاً حتى تخفيف أعباء تأمين الوقود عن كاهل اللبنانيين.

وإذ تتجه الأنظار في الداخل الى كيفية توزيع حمولة باخرتي الوقود اللتين أبحرتا من إيران، والى أي جهات، تترقّب الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها في المنطقة، فضلاً عن فرنسا والدول الأوروبية وكذلك العربية، هذا الحدث لكي تبني عليه فيما بعد. فكلّ منها ستستثمره وفق مصالحها في لبنان والمنطقة، لا سيما أميركا والعدو الإسرائيلي في مفاوضات الترسيم غير المباشرة القائمة حالياً، والتي جرى تعليقها مرتين منذ انطلاقها في 14 تشرين الأول من العام الماضي بسبب عدم التوصّل الى أي اتفاق بينهما على البقعة البحرية المتنازع عليها والتي حدّدها لبنان بـ 2290 كلم2، بسبب إضافته 1430 كلم2 الى مثلث النزاع السابق الذي تبلغ مساحته نحو 860 كلم2.

أوساط ديبلوماسية مراقبة أكّدت أنّ العدو الإسرائيلي قرّر عدم قصف باخرتي الوقود الآتية من إيران، على ما يبدو حتى الآن، كون قيامه بهذه الخطوة سيجعله خاسراً أمام أعين المجتمع الدولي سيما وأنّها «حمولة إنسانية» لمساعدة الشعب اللبناني. كما أنّ الأمر، من وجهة نظر «إسرائيلية»، على ما تقول المعلومات، لا يستأهل إحباط عملية نقل الوقود لتسهيل حياة المواطنين، غير أنّ هذا القرار لا يعني أنّ العدو، سيغضّ النظر عمّا يحصل، بل على العكس سيقوم بحساب كلّ خطوة يقوم بها حزب الله بعد وصول الباخرتين لكي يبني على الشيء مقتضاه، كما لا يعني كذلك بأنّ الولايات المتحدة الأميركية ستغضّ الطرف، عمّا وصفه المساعد السابق لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، بأنّه «خرق واضح للعقوبات المفروضة على إيران»، مشيراً الى أنّ «ردة الفعل الأميركية تبقى بيد إدارة الرئيس جو بايدن، كون هذا الأمر بحدّ ذاته تحدّ للإرادة الجديدة»، كما أنّ الدولة الفرنسية عبر سفيرتيهما في لبنان ستُراقبان حقيقة ما يجري، فضلاً عن الدول الأوروبية والعربية المعنية أو المهتمّة بما يحصل في لبنان والمنطقة...

وتقول الاوساط بأنّ كلام شينكر ليس مؤثّراً ولا يتخطّى إطار إبداء الرأي كونه لم يعد مسؤولاً كما في السابق، إلا أنّ ذلك لا يلغي فرضية أنّ الولايات المتحدة وحليفتها في المنطقة تنتظران أي هفوة سيرتكبها حزب الله لتحقيق ما تطمح اليه منذ عقود، وفشلت حتى الآن في تنفيذه. لهذا تساءل شينكر عن موقف الإدارة الأميركية الجديدة، كما عن موقف الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة الجديدة، رغم معرفته أنّ محاولة بلاده عبر العدو الإسرائيلي ضرب باخرتي الوقود من شأنه، ستؤدّي حتماً الى تقوية الحزب لدى الشعب اللبناني.

وفيما يتعلّق بإعادة استئناف المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان و»اسرائيل « والذي تتحكّم فيه الولايات المتحدة كونها تؤدّي دور الوسيط فيها رغم رعاية الأمم المتحدة لها، فترى الأوساط عينها بأنّ كلّ ما وصل اليه لبنان من أزمة إقتصادية ومالية خانقة هو بسبب الخلاف بينه وبين العدو الإسرائيلي على الثروة النفطية، وأوضحت بأنّ لأميركا تاريخ في الاستيلاء على نفط دول المنطقة تحت ذرائع مختلفة مثل التفتيش عن الأسلحة النووية أو محاربة الإرهاب وغير ذلك.

ولهذا فإنّ الولايات المتحدة، عبر الوسيط الأميركي تنحاز خلال هذه المفاوضات بشكل تلقائي الى العدوالإسرائيلي وتسعى الى تحقيق مطالبه، وإن كانت غير محقّة، تضيف الاوساط، غير أنّ عدم انصياع لبنان والوفد المفاوض لهذه المطالب غير القانونية والدستورية قد جعل المفاوضات تتوقّف، كما مارست أميركا الضغوطات على «كونسورتيوم الشركات» الملزّمة البلوكات البحرية اللبنانية، ولا سيما شركة «توتال» فأرجأت هذه الاخيرة البدء بعملها حتى آب من العام 2022. وهذا الامر أثّر سلباً بالتالي على لبنان الذي دخل نادي النفط العالمي غير أنّه أُرغم، من حيث يدري أو لا يدري، على فرملة مسار عمليات التنقيب، وعلى عدم الإستفادة بالتالي من أرباح استخراج الغاز والنفط وبيعهما الى دول العالم. علماً بأنّ لبنان يعوّل على هذه الثروة النفطية لدفع ديونه بعد خمس أو ستّ سنوات، غير أنّ الشعب اللبناني يخشى في الوقت نفسه، من أنّ تقوم الطبقة السياسية بتقاسم الأرباح أو بهدرها عن طريق استيلاء العدو الاسرائيلي عليها بشكل تعسفّي، ومن دون إدراك الدول اللبنانية في ظلّ تعليق المفاوضات.

أمّا إثارة السيد نصرالله في خطابه الأخير مسألة جهوزية شركة إيرانية للتنقيب عن النفط في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان من دون أنّ تخشى من «القصف الاسرائيلي» عليها، فتدخل، بحسب الأوساط عينها، ضمن سياسة مواجهة السياسة الغربية التي تحاصر لبنان منذ عامين وتشدّ على خناقه لكي يُطلق النفس الأخير أو يرضى بتنفيذ شروطها ومطالبها المتعلّقة بالنفط والغاز الطبيعيين وبتوطين اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين. لذلك فإنّ الأنظار الغربية والعربية الحليفة لها تتجه الى ما سيكون عليه أداء حزب الله أثناء توزيع حمولات الوقود الإيراني، لكي تتمكّن من انتقاده أو اتهامه بأنّه يحلّ محلّ الدولة.

غير أنّ حزب الله، على ما لفتت الأوساط نفسها، متيقظ تماماً ومتربّص لجميع الأنظار الموجّهة نحوه، ويُدرك تماماً كيفية التصرّف كونه غالباً ما يدرس جميع الإحتمالات في أي عملية يخوضها. وعليه فإنّه يعلم كيف سيوزّع الحمولة من دون أن يتعرّض للإنتقادات والإتهامات. وعندما أعلن السيّد نصرالله بأنّ لحظة انطلاق الناقلات من إيران فإنّها تُعتبر في نظره أرضاً لبنانية، أي أنّ الإعتداء عليها سيُعتبر هجوماً على الأراضي اللبنانية، وعليه فإنّه سيُعامل العدو الإسرائيلي بالمثل، على ما فهم من أدائه الأخير بأنّ «أي خرق للسيادة اللبنانية» سيُردّ عليه من قبل الحزب، فلوضع النقاط على الحروف قبل حصول أي خطوة غير محسوبة النتائج من قبل أميركا والجانب الإسرائيلي.

وعن إمكانية اتهامه من قبل أميركا والعدو الإسرائيلي بأنّه سيقوم بعملية تهريب الأسلحة والصواريخ عبر هذه البواخر، فتقول الاوساط بأنّ مثل هذا الإتهام سيظهر أنّه باطل فور تفريغ الحمولات أمام أعين اللبنانيين وسائر دول العالم. رغم ذلك، فإنّ مثل هذا الإحتمال يدخل ضمن الإحتمالات الأخرى التي يدرسها الحزب لتأكيد وقوفه الى جانب الشعب اللبناني ومدّ يده له على جميع الأصعدة في المستقبل، في حال نجحت خطوة البواخر الإيرانية المحمّلة بالوقود.