لم تسر إنجازات لقاء بعبدا الذي خُصص لبحث مسألة دعم المحروقات كما يشتهي القيمون عليه، فما يُراد تصويره كإنجاز للبنانيين ما هو إلا تعميق للمشكلة، فالمواطن لن ينال من المحروقات سوى «سعرها الجديد» الذي شهد ارتفاعاً غير مسبوق. فقد صدر جدول أسعار المحروقات الموعود بعد حالة الضياع والتشتت التي سادت الأحد الماضي، واللافت أن الجدول الجديد قد شهد تعديلات عن جدول الأحد الذي صدر لكي لا يُطبّق، فأصبحت الأسعار على الشكل التالي: البنزين 98 أوكتان 132400 ليرة، البنزين 95 أوكتان 128200 ليرة، المازوت 98800 ليرة، والغاز 90600 ليرة.

فور صدور الجدول عبّأت الصهاريج المحروقات من مستودعات الشركات المستوردة وانطلقت نحو المناطق لتفريغ حمولاتها، في وقت كان اللبنانيون ينتظرون على المحطات في الطوابير منذ ساعات الفجر الأولى، وبدأت محطات المحروقات تفتح أبوابها عند الساعة 10 وبعضها أكثر.

«من المستبعد أن تُحل الأزمة بشكل بسيط قبل يومين على الأقل»، تقول مصادر مطّلعة، مشيرة الى أن السوق سيشهد ارتياحاً طفيفاً الخميس أو الجمعة، بعد أن تكون السيارات قد حصلت على البنزين، والبواخر قد فرّغت حمولاتها، ولكن هذا الارتياح الطفيف لن يختلف عن ذلك الذي سُجل في الأيام الأولى لاعتماد تسعيرة الـ 3900، فهو لن يتحقق في كل المناطق، ولن يستمر لأيام طويلة.

وتكشف المصادر أن الحلحلة النسبية لن تستمر لأكثر من أيام معدودة، إذ بغض النظر عن أن الإتفاق في بعبدا ينتهي في نهاية أيلول، فإن التخزين والإحتكار لن يتوقفا، والتهريب بكل تأكيد لن يتوقف.

يعلم المحتكر والمخزّن أن سعر المحروقات لن يبقى على ما هو عليه، وسيتضاعف بعد شهر من الآن، فبعد انتهاء أيلول سيتم بيع المحروقات على سعر المنصة، والذي يبلغ اليوم 16 ألف ليرة لبنانية، وهذا ما يجعل المحتكرين راغبين بزيادة حجم مخزونهم لبيعه بالمستقبل، وبالتالي سيذهب جزء من الدعم الحالي الى التخزين.

أما بالنسبة الى التهريب، فيبلغ سعر مبيع صفيحة البنزين في سوريا 19 دولاراً، ويقوم المهرب ببيعها الى التاجر السوري بحوالي 16 دولاراً وأحياناً أكثر، أي 320000 ألف ليرة لبنانية على سعر السوق على الأقل، وبالتالي لا يزال التهريب مربحاً للغاية، وهنا لا نتحدث عن المهرّبين الصغار على الإطلاق. كذلك تلفت المصادر الى أن الأموال المخصصة لشراء المحروقات خلال شهر لا تكفي حاجة لبنان المعتادة، مشيرة الى أن البعض يعوّل على انخفاض الإستهلاك، وهذا الأمر قد يحصل بحال كان الاستهلاك محلياً، أي غير متعلق بالتخزين والتهريب، وهو ما لا يعكس الحقيقة، ما يعني أن الاستيراد لن يغطي حاجة الناس لتُحلّ أزمتهم.

كذلك تشدد المصادر على ضرورة التركيز على ازمة المازوت، فالمنشآت فارغة حتى يوم الجمعة المقبل، والشركات تقنن التوزيع وتعتمد معايير ملتوية، وبالتالي فإن أزمة المازوت مستمرة أيضاً.

وتعلم المصادر أن الحل النهائي الممكن لأزمة المحروقات يرتبط بالسياسة والمال والقرار، ولذلك فهي لا تتوقع انفراجات كبيرة قريباً، فبالنسبة الى السياسة لا تزال الشركات تمارس نوعاً من الاستنسابية في عملها، ولا يزال المصرف المركزي يتأخر بفتح الإعتمادات، وبالنسبة الى المال، فرفع الدعم بشكل كامل بات الحل الوحيد لاستمرار الإستيراد، وهو ما يحتاج الى إجراءات عاجلة تواكبه لمساعدة المواطنين، وأما بالنسبة الى القرار، فلا داعي للحديث كثيراً، فعندما تُشكل الحكومة، يمكن أن نتحدث عن قرار بالإنقاذ.

لن يكون الدعم الجديد للمحروقات سوى أرباحاً لجيوب الشركات والمحتكرين والمهرّبين، وحرقاً للمال بالنسبة الى المواطنين العاديين الذين احترقوا بنار الطوابير.