نتيجة العاصفة الإقتصادية التي ضربت لبنان ولا تزال، حلّقت أسعار السلع والمواد الغذائية وأصبحت خياليّة، فلم يعد بمقدور علم الإجتماع والإقتصاد بمعادلاته وإحصاءاته تحديد أرقامها التي تتغيّر بين لحظة وأخرى.

وليس قطاع الخضروات والفاكهة والذي أصبح البديل المقبول لمعظمنا، نظرا لارتفاع أسعار اللحوم على أنواعها وألوانها، بمنأى عن هذا الجنون الأخضر العابث بأمننا الغذائي الأخضر كما سواه. فما كنّا نشتريه من الخضروات والفاكهة بـ 500 أو 1000 ليرة سابقا، يترواح اليوم بين 4000 و10000 ليرة وأكثر بكثير، حتى الفواكه الموسمية على سبيل المثال كالعنب الذي لم يتجاوز سعره يوما 4000 ليرة تخطّى سعر الكيلو اليوم الـ 25000ليرة، والتين الـ 100 ألف ليرة، وقس على ذلك الكثير من الأنواع والأصناف.

وبغض النظر عن الأسعار التفصيلية للخضروات والفاكهة المتأرجحة يوميا كما الدولار، فإنّ ما يهمّ المواطن اليوم أن تكون هذه المواد الأوليّة متوفرة وبمتناول يديه التي أصبحت عاجزة عن شراء معظم أسس العيش.

رئيس تجمّع المزارعين اللبنانيين أنطوان الحويّك يعتبر أنّه من البديهي جدا أن ترتفع أسعار الخضروات والفاكهة، إذ أنّ كلّ المستلزمات الزراعية أصبحت بالدولار، كما ارتفع بدل إيجار الأرض، وأجرة اليد العاملة، حيث كان يتقاضى العامل سابقا بين 15 و20 ألف ليرة يوميا، أمّا اليوم فأجرته تترواح بين 110 و120 ألف.

أمّا لماذا ترتفع أسعار الخضروات والفاكهة المنتجة لبنانيا؟ يجيب الحويّك أن ارتفاع الأسعار أمر تلقائي حتى لو كان الإنتاج محليا، فكثير من العناصر الإنتاجية مرتبط بسعرالصرف اليومي، كما أنّ القطاع الزراعي غير مدعوم، ما عدا المحروقات التي كانت مدعومة سابقا.

التسعيرة تحدّد وفق العرض

والطلب والتجّار هم الآمر الناهي

وفيما يخصّ شكل المعايير التي تحدّد التسعيرة، يوضح الحويّك أنّ تسعير المنتجات الزراعية التي تفسد بسرعة، يعتمد على العرض والطلب السريعين، فإذا كان العرض كثير والطلب قليل حتى لو كانت كلفة المنتج مرتفعة جدا تنهار الأسعار، أمّا اذا كان العرض قليل والطلب كثير فإنّ الأسعار «تطير» على حد تعبيره، ويلفت إلى أنّ التسعير لا يتم على مستوى المزارع، إنّما تجّار أسواق الجملة .

ويضيف : من المتعارف عليه أنّ أسعار بعض الخضروات والفاكهة كانت ترتفع في فصل الشتاء تحديدا، حتى في زمن ما قبل الأزمة، فكيف ونحن اليوم في عزّ جنون الدولار؟ وما العامل الذي قد يرفع أسعار الخضار والفواكه في هذا الفصل تحديدا؟ يشرح الحويّك في إجابته بأنّه عندما يرتفع سعر الخضار في الشتاء، فإنّ سعر البندورة يرتفع أولا، وعندما تدخل البندورة السورية أسواقنا، كان ينخفض سعر البندورة اللبنانية تلقائيا، ويحصل توازن في سعر المنتج، أمّا اليوم فإذا قررنا إستيراد كيلو البندورة فإن سعره يبلغ «نصف دولار» أي نحو 10000 ليرة وفق دولار العشرين، فالإستيراد الذي كان يساهم في توازن سعر المنتج وخفضه كثيرا، أصبح يشكل اليوم دافعا لارتفاعه.

ارتفاع سعر الخضار والفواكه

مرتبط بالموسم والتصدير

يعتبر التصدير بحسب الحوّيك معيارا فعّالا في تحديد سعر المنتج الزراعي، فهناك كميات وأصناف محدّدة من المزروعات اللبنانية مخصّصة للتصدير، كالبطاطا والحمضيات والعنب والخس والملفوف والتفاح والخوخ والدرّاق وسواها، وعملية التصدير تتّم من خلال سحب البضاعة من السوق وبيعها بالعملة الأجنبية، ما يؤثر سلبا على الأسعار، لا سيما إن لم يكن الموسم وفيرا، ويضيف أنّ هذا ما حصل تماما هذا العام حيث كان الموسم ضعيفا في الكثير من الأصناف منها الكرز، وفي ظلّ إزدياد الطلب كثيرا على الخضروات والفاكهة من قبل المطاعم السياحية.

وفي الوقت الذي تدعم فيه كلّ دول العالم قطاعاتها الإنتاجية، كونها عصب نهضتها الإقتصادية، يفتقر لبنان منذ عقود مضت، إلى الدعم في الشأن الإنتاجي، وفي السياق، يعتبر الحويّك أنّ الدولة يفترض أن تتدّخل لدعم القطاع الزراعي، موضحا أنّ التجمّع طلب منذ بداية الأزمة دعم المستلزمات الزراعية من بذور وأسمدة وأدوية ونايلون زراعي وفق دولار الـ 1500 ليرة ، كاشفا أنّ كل المستلزمات التي يحتاجها القطاع لا تتجاوز كلفتها 150 مليون دولار، ستؤمّن إنتاجا نباتيا قيمته نحو مليار دولار وآلاف فرص العمل.

كيف يحدّ الدعم الرسمي من فلتان الأسعار؟ يتحدّث الحويّك حول هذه الجزئية مشيرا إلى أنّ الدولة بدعمها للزراعة وإدارة عملية الإستيراد والتصدير وفق قاعدة «السلّم المتحرك، يمكن أن تضع حدا لأي تفلّت في الأسعار، ويقول كمثال إنّه حينما ارتفع سعر البطاطا في السوق أكثر من 3000 ليرة، كان لا بدّ من أن يتوقّف التصدير فورا، وأن تبقى البضاعة في السوق لأجل مصلحة المستهلك والأمن الغذائي، ولكن هذا لم يحصل، ما أدّى إلى تفلّت الأسعار.

القطاع الزراعي في متاهة كبيرة

والدولة غائبة عن السمع

الزراعة عرض وطلب، وعناصر إنتاجها متشابكة، ولا بدّ من إدارتها بشكل صحيح، إنّما «الدولة غائبة عن السمع»، على حدّ وصف الحويّك الذي يرى أنّ الدولة لا تريد إدارة القطاع، وأنّ مسؤوليتها أن تدعم وتؤسس لآلية تمكّن المزارعين من الحصول على المستلزمات الزراعية بسعر زهيد، لينطلق هذا القطاع الحيويّ، وعندما يحصل فائض في الإنتاج، يتّم التصدير والحفاظ على السوق المحليّ في نفس الوقت، وهذا يتطلّب إدارة وزارة الزراعة، ويضيف: «لكن للأسف ما عنا دولة ولا عنا وزارة زراعة».

تضاف اليوم إلى الهمّ الزراعي اللبناني، أزمة المحروقات، ففي البقاع وفق الحويّك يشتري مزارعون - غير محظيين من السياسيين حسب وصفه - صفيحة المازوت بـ 300 ألف، لذا أقدم العديد منهم على زراعة قسم صغير فقط من أراضيهم، كما ألغى بعضهم زراعة بعض أنواع الخضروات والفاكهة، فيما لم يعد باستطاعة آخرين إيصال منتوجاتهم إلى السوق لارتفاع تعرفة النقل، ما أدخل القطاع كلّه في متاهة كبيرة.

أسعار الخضروات والفواكه «رح تطير» وهناك منتجات ربما تفقد من السوق نهائيا

ويلفت الحوّيك إلى أن أسعار الخضروات والفاكهة «رح تطير» وهناك منتجات زراعية ربما تفقد من السوق نهائيا، ويرجع السبب إلى انخفاض الإستهلاك في السوق المحلي بنسبة 80% ، فالمستهلك الأساسي في لبنان هم أبناء الطبقة الوسطى أي نحو 75% من اللبنانيين، وهؤلاء رواتبهم بالليرة اللبنانية، كما أنّ أسواق الجملة اليوم فارغة إلى حدّ كبير من الزبائن، يضاف إلى ذلك وفق الحويّك أزمة المحروقات، التي ستؤثر على الإنتاج والنقل والتوزيع، وربّما نشهد إقفالا لكثير من محال الخضروات والفاكهة، وارتفاعا لأسعار الأصناف السريعة العطب كالخيار والفليفلة وغيرها. ويصف الحويّك ما يعيشه القطاع الزراعي ككلّ بالكارثة، هذا بالإضافة إلى أنّ الموسم الزراعي الشتوي المتعلق بالخيم البلاستيكية مهدّد كثيرا، فاليوم ليس بمقدور أيّ أحد من صغار المزارعين أن يبدّل النايلون او يبدأ بزراعات الموسم الشتوي، الذي يبدأ سنويا في تشرين الثاني، ما سيؤدّي لكارثة على مستوى الأسعار في لبنان خلال الشتاء.

وزير الزراعة لـ<الديار»: نايلون زراعي بقيمة 500 دولار لكلّ مزارع

وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال عباس مرتضى عزا غلاء المنتج الزراعي اليوم إلى ارتفاع سعر الإنتاج، موضحا أنّ تحديد الأسعار عموما ليس من صلاحيات وزارة الزراعة، واكد لـ»الديار»

أن وزارة الزراعة قامت بدعم المزارعين ببطاقة تمويلية، وهناك تقديم طلبات في 32 مركزا على مساحة الأراضي اللبنانية، كما تعمل كذلك على مشروعين مهمين جدا، الأول هو مشروع الطاقة البديلة للمزارعين، الذي أصبح جاهزا وستعرضه الوزارة على المنظمات الدولية والجهات المانحة، الأسبوع المقبل لتأمين مصادر تمويله. والثاني هو مشروع الزراعات العلفية المائية، حيث نظّمت الوزارة دورات لكل المزارعين على مساحة الأراضي اللبنانية حول إستزراع الأعلاف المائية، وهو مشروع تسعى الوزارة لأن تكون تجهيزاته مموّلة أيضًا من المنظّمات الدولية من دون أن يتكبّد المزارع أي تكاليف.

وكشف مرتضى أيضًا أنّ وزارة الزراعة ستبدأ بدعم المزارعين بما يسمى «البيوت البلاستيكية» للزراعات الشتويّة، والمشروع عبارة عن نايلون قيمته 500 دولار لكلّ مزارع عنده بيت بلاستيكي، سوف تقدّمهم وزارة الزراعة بالتعاون مع المنظمات الدولية، داعيا المزراعين إلى المسارعة في تقديم الطلبات، محذّرا أنّه اذا لم يكن لدينا إنتاج في فصل الشتاء، سوف نضطر للإستيراد، ما سيؤدي لارتفاع باهظ بسعر المنتج ، ولهذا «نسعى لدعم القطاع الزراعي خاصة الزراعات الشتوية».

هي مشكلة متأصلة ومزمنة في إدارة القطاع الزراعي في لبنان، صيفا وشتاء، مردّها إلى إدارات سياسية متعاقبة لا ترقى لمستوى التنمية المستدامة، هذا في وقت إرتفع فيه منسوب الإهتمام الشعبيّ بالزراعة في لبنان نتيجة الضائقة المعيشية، إلّا أنّه على أهميته وضرورته، يفتقد منذ عقود للدعم الرسميّ، وهذا جريمة كبرى يمكن أن ترتكب بحق بلد زراعي بامتياز كلبنان.

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق