وضع ورقة التكليف في جيبه تُفيده أكثر ما بعد الإنتخابات النيابية


مع القلق الذي يعيشه الشعب اللبناني بسبب حلول شهر أيلول الذي سيُرفع خلاله الدعم بشكل كامل عن المحروقات والمواد الحيوية والحياتية الأخرى، ما يؤشّر الى ارتفاع أسعار جميع السلع الغذائية والحاجيات اليومية بشكل جنوني، ويجعل أكثرية الشعب تحت خط الفقر، يبدو أنّ المسؤولين في وادٍ آخر، بدلاً من الإسراع في تشكيل الحكومة. فانتقال التشاور بين رئيس الجمهورية العماد وميشال عون والرئيس المكلّف نجيب ميقاتي الى وساطة مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم، إنّما يدلّ على أنّ التفاوض المباشر بات معقّداً. فهل تذهب الأمور الى الأسوأ، أم تُبصر الحكومة الجديدة النور قريباً، بعد ان اصبحت في أمتارها الأخيرة، ولانّ الوضع الإقتصادي المتردّي يفرض وجودها بإلحاح، أم ستبقى ورقة التكليف في جيب ميقاتي لأشهر عدّة، على ما حصل مع الحريري قبل تقديم الإعتذار؟!

مصادر سياسية متابعة أشارت الى أنّ اندفاعة ميقاتي في الإسراع في تشكيل الحكومة قد خفّت بعد مضي الشهر الأول على تكليفه، لا سيما مع عدم الإتفاق النهائي على الأسماء، غير أنّ ما جرى إنجازه حتى الآن على صعيد توزيع الحقائب على الأحزاب والطوائف والإتفاق على غالبية الأسماء يؤكّد على أنّ المعنيين قطعوا شوطاً كبيراً في مسار التشكيل، أمّا ما يتبقّى من أسماء فلا يجب أن ينسف الصيغة الحكومية برمّتها سيما وأنّ الجوجلة تطال مرشحين توافقيين غير حزبيين.

وفيما يتعلّق بدخول اللواء ابراهيم على خط الوساطة، أوضحت المصادر أنّ ما من مهمّة تسلّمها إلّا وحقّق فيها النجاح ما يدفع الى القول بأنّ اتصالاته مع المعنيين ستتمّ على خير ما يُرام، لكنّ المصادرعقّبت بأنّه لم يكن هناك حاجة الى أي وساطة بين الرئيس عون وميقاتي، سيما وأنّهما اتفقا خلال اللقاءات التي جمعتهما حتى الآن على نقاط كثيرة، إلاّ أنّ الآمال أصبحت اليوم معلّقة على وساطة اللواء ابراهيم، رغم تساؤلها عن أسبابوجود وسيط داخلي، فيما غالباً ما يُعتمد على وسيط خارجي لحلّ خلاف بين اثنين في الداخل أو بين بلدين جارين متنازعين، أمّا اعتماد وسيط داخلي لطرفين داخليين اتفقا خلال شهر على أمور كثيرة فهو أمر مستغرب.

وبرأي المصادر، أنّه في حال نجحت الإتصالات التي يقوم بها اللواء ابراهيم، فإنّه من الممكن أنّ نشهد حكومة جديدة في الوقت القريب، وأن يُعقد اللقاء الرابع عشر بين الرئيس عون وميقاتي الذي يُفترض أنّ يكون الأخير للتشكيل. وتقول بأنّ العقد باتت في خواتيمها وهي تقف عند وزارتي العدل، والشؤون الإجتماعية التي يُرجّح أنّها رست على حصّة الرئيس عون، ويجري التفتيش، عن طريق الوساطة، عن مرشَحَين توافقيين لهما، فيما تبقى حقيبة الإقتصاد التي قد تُسند الى مرشح الحزب القومي سعادة الشامي، غير أنّ الأمر لم يُحسم حتى الآن في ظلّ الإستمرار باقتراح أسماء توافقية تُرضي جميع الأطراف المعنيّة، مع الحديث عن حسم إسم وزير الطاقة، وترى المصادر بأنّ التسميات ليست عقدة من النوع الذي يؤخّر تشكيل الحكومة أو يُعطّلها، إلّا إذا عادت الخلافات السياسية نفسها الى الواجهة وطغت على كلّ التوافقات التي حصلت خلال الشهر الأول على تكليف ميقاتي.

أمّا في حال تعثّرت الولادة، فإنّ ميقاتي، على ما أكّدت المصادر نفسها، لن يرفع ورقة الإعتذار سريعاً، كون الإحتفاظ بورقة التكليف تُفيده أكثر كونها تُبقيه في الواجهة أو في السلطة وإن لم يتسلّم رئاسة الحكومة، فيما الإعتذار يُخرجه منها على الفور. في الوقت نفسه، يعيد الرئيس عون التأكيد للمرّة الألف على أنّه غير متمسك بالثلث المعطّل، إنّما بالشراكة بينه وبين ميقاتي في التشكيل، وأن تكون كلمته مسموعة على غرار سائر القوى السياسية التي سمّت مرشّحيها في الحكومة الجديدة، فلا شيء يحول بالتالي دون حرمانه من تسمية الوزراء المسيحيين.

وفيما يُفترض أن تُبصر الحكومة النور سريعاً قبل الرفع الكامل للدعم عن المحروقات والمواد الحيوية والحياتية، تجد المصادر أنّ الكرة باتت اليوم في ملعب ميقاتي، وعليه استكمال العمل الحثيث الذي بدأه والرئيس عون وراعى فيه مبدأ الشراكة ووحدة المعايير، غير أنّ ميقاتي يعتبر بأنّ تأليف حكومة غير فاعلة وغير منتجة يُوازي حكومة الرئيس حسّان دياب المستقيلة، سيما وأنّه يشعر بأنّ الخلافات الداخلية ستعترض طريقها ما يجعلها غير قادرة على الإنقاذ وعلى تحقيق الإصلاحات المطلوبة.

في المقابل، إنّ استقرار ميقاتي وبدء استقبالاته على أنّه الرئيس المكلّف، إنّما يشير، على ما يرى المراقبون، الى أنّ الرجل قد وضع ورقة التكليف في جيبه لغاية في نفس يعقوب، وهذه الغاية لها أبعاداً مستقبلية، سيما وأنّ ميقاتي الذي يجد صعوبة في التفاهم مع الفريق الرئاسي، رغم كلّ ما حقّقه من توافق مع رئيس الجمهورية في التشكيلة الحكومية الأخيرة، بات يُفضّل عدم التأليف وإبقاء ورقة التكليف في جيبه، سيما وأنّه يحظى بدعم داخلي من قبل جميع الطوائف المسيحية والدرزية والشيعية فضلاً عن الطائفة السنيّة، وهذا الدعم من شأنه خلق معارضة داخلية واسعة النطاق يُمكنها أن تتصرّف ما بعد الإنتخابات النيابية، فإذا حصلت هذه الأخيرة في موعدها، أي في الربيع المقبل (بين آذار وأيّار 2022)، والتي على ما تُظهر استطلاعات الرأي العام لن تتمكّن من تغيير القرار في مجلس النوّاب، إذ ستعود الأحزاب نفسها أكانت نسبة الإنتخاب مرتفعة أو منخفضة عن السابق. ولهذا، فإنّ المجلس الجديد سينتخب رئيساً للجمهورية مختلفاً عن الذي تريده دول الخارج، ولهذا دعمت «الثورة» و»انتفاضة 17 تشرين»، وحاصرت لبنان، وأوصلت الوضع الإقتصادي الى ما هو عليه من التردّي والإنهيار اليوم.

من هنا، فإذا لم يصعد الدخان الأبيض من قصر بعبدا ويتمّ إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة في غضون أيّام قليلة، فإنّ الرئيس المكلّف، على ما يبدو، سيبقى مكلّفاً خلال الإشهر المقبلة، ويستقطب من حوله الدعم الداخلي الذي يُضاف الى الدعم الخارجي الذي أتى به رئيساً مكلّفاً. ولا يبدو بأنّ دول الخارج تستعجل التشكيل، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، إذ تُغادر السفيرة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا بيروت السبت المقبل لمدّة أسبوعين في عطلتها السنوية.

وفيما يتعلّق بالأزمة الاقتصادية الخانقة فقد أظهرت، على ما عقّبت المصادر نفسها، أنّ ليس الطبقة السياسية هي الوحيدة الفاسدة في لبنان، بل أنّ الفساد يُعشعش في عدم تطبيق النظام والقانون أيضاً من قبل الشعب اللبناني، الأمر الذي شجّع التجّار وأصحاب الشركات والمؤسسات على احتكار وتخزين المواد والسلع الغذائية والحياتية والحيوية والأدوية والمحروقات وسواها بكميات ضخمة بهدف إمّا تهريبها الى سوريا وبيعها بأسعار مضاعفة، أو بيعها في السوق بعد ارتفاع سعر الدولار، لكنّ جشعهم هذا غير المنطقي وغير المحسوب النتائج، جعل بعض الأدوية وعدد كبير من حليب الأطفال تنتهي مدّة صلاحيتهما، فلم يستفد لا هؤلاء التجّار من بيعها، ولا المستهلكين من شرائها نظراً لحاجتهم إليها، أكانت على سعرها الأساسي أو بسعرها المرتفع.