يعرَّف التضخّم على أنه «زيادة مستمرّة في متوسّط أسعار السلع والخدمات في كل القطاعات وعلى عدّة فصول متتالية». يتمّ قياس معدل التضخم من خلال قياس كلفة سلّة من السلع مما يُعطي مؤشرًا يُسمى «مؤشر الأسعار على الإستهلاك» (CPI). هذه الكلفة تقاس بشكل دوري (عادة شهريًا) ضمن إطار اقتصاد مُحدد. ومن أولى تداعيات التضخّم هو انخفاض القدرة الشرائية للعملة التي يستوجب المزيد منها بهدف شراء السلعة نفسها.

وبحسب النظرية الاقتصادية، هناك ثلاثة تيارات رئيسية لتحليل هذه الظاهرة وتداعياتها:

أولا – النهج الكلاسيكي والذي يرى أن هناك ارتباطاً فعليا بين قدرة المال الشرائية وقيمة السلع والخدمات، وبالتالي يأتي التضخّم أو الانكماش (عكس التضخّم) ليعكس خللا في التوازن بين قيمة العملة وقيمة السلع والخدمات.

ثانيًا – التحليل الكينزي والذي يدعو إلى التدخل النقدي والسياسي بهدف تصحيح تجاوزات الليبرالية الاقتصادية من خلال اتخاذ إجراءات مناسبة. ويعتبر هذا التحليل أن تضخمًا تحت السيطرة هو في حد ذاته أداة للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي.

ثالثًا – العقيدة النقدية وهي مناهضة للتحليل الكينزي، حيث ترى أن «شبه» استقرار الأسعار يجب أن يكون دون أي تدخل من قبل السلطات السياسية باستثناء المصرف المركزي الذي يناط به حصريًا إدارة النقد في الاقتصاد.

من أسباب التضخّم على سبيل المثال لا الحصر: زيادة مفرطة في العرض النقدي، الطلب المتزايد على السلع والخدمات بحيث يكون أعلى من العرض، ارتفاع أسعار السلع المستوردة والمواد الخام، زيادة تكاليف إنتاج السلع والخدمات، الزيادات الهيكلية الناتجة بالدرجة الأولى من نقص المنافسة، عوامل نفسية (مثل الأزمة في لبنان) والتي يمكن أن تولد دوامة تضخمية.

ويؤثر التضخم في الاقتصاد وكل اللاعبين الاقتصاديين سواء أكانوا مستهلكين أم مستثمرين. وإذا ما أردنا تبسيط الفكرة، فإن قيمة ما يجنيه الفرد / الشركة تقلّ مع التضخّم وهو ما يؤدّي إلى تقليل القيمة الحقيقية للناتج المحلّي الإجمالي.

يُعتبر التضخّم بالنسبة للاقتصاد كالحرارة بالنسبة للإنسان، فتضخّم عالٍ يقضي على الاقتصاد، والتضخّم المنخفض «يفرمل» النمو الإقتصادي. وتعتبر العتبة المقبولة للتضخّم هي ما بين 1.5 و2% على أساس سنوي على أن تكون مصاحبة للنمو. وإلا فإن حصول تضخم مع كساد اقتصادي يعتبر مشكلة تتطلب حلولاً تقنية ليس هنا مجال سردها.

النظرية الاقتصادية ذكرت أن من أسباب التضخّم غياب المنافسة (بالإضافة إلى العوامل الآنفة الذكر). ولكن ما يحصل في زماننا هذا في لبنان خارج عن التضخم وبالتالي لا تنفع معه الوسائل العلمية المتبعة في الاقتصادات العالمية. إذ إن ما يحصل عندنا من رفع للأسعار بشكل غير منطقي وغير مبني على آلية السوق – أي العرض والطلب، هو عمل منظم ومدروس من قبل أطراف مسيطرة على الساحة الاقتصادية من خلال بعض التطبيقات (غير شفّافة) تعطي سعر صرف للدولار مقابل الليرة اللبنانية بالإضافة إلى الاحتكار الذي يرفع الأسعار على الشكل الاتي: التطبيقات تعطي سعراً مرتفعًا للدولار وبشكل عشوائي، ومن ثم تأتي المرحلة الثانية التي يتصدرها التجار فيضعون سعر صرف على السلع والبضائع أعلى من السوق السوداء إضافة إلى تعمد الشح في العرض معتمدين على عدم قدرة أحد على الاستيراد، يضاف إلى ذلك الامتناع عن البيع عندما ينخفض سعر الصرف بهدف تحقيق أرباح عالية. هذا الأمر يخلق ارتفاعًا مُصطنعًا في الأسعار ومن ثم يتحوّل إلى ارتفاع حقيقي مع مرور الوقت، وهذا هو حقيقة ما يحصل في لبنان منذ أكثر من عام ونيّف.

وللأسف الدولة تعلم جيداً هذه المخططات ولكن...

عمليًا التهريب هو أيضًا من أسباب التضخّم الرئيسية، فهو من ناحية يخفض العرض للسلع إلى أدنى المستويات من جهة، ومن جهة أخرى فإن استيراد السلع والبضائع يتمّ بدولارات من السوق اللبناني، تُباع في لبنان بالليرة اللبنانية، لتخرج بعد ذلك البضائع (والتي أساسها دولارات وتبقى قيمتها بالدولار) من لبنان إلى الخارج. ويزداد الأمر سوءًا إذا ما تم بيعها بالليرة اللبنانية للمهربين ليقوم بعدها البائع بعرض الليرة اللبنانية وطلب الدولار لإعادة الكرة ثانية وهكذا... هذا الأمر يؤثر مباشرة في سعر صرف الليرة اللبنانية التي تتراجع مقابل الدولار الأميركي وبالتالي ترفع الأسعار من خلال الآلية الواردة في الفقرة السابقة.

رفع الأسعار شمل كلّ شيء باستثناء الأجور التي تمّ استبدال زيادتها بدعم اجتماعي وهو ما يخلق كتلة نقدية حتمية تتمّ ترجمتها بطبع العملة التي تخدم – ظاهرياً - المودعين الذي يسحبون أموالهم من المصارف للاستهلاك و/أو استبدالها بالدولارات في السوق السوداء. إذ عند سحبها يكون لليرة سعر صرف مختلف عن الذي تتم به عملية شراء الدولار، وهكذا يتم الاقتطاع من الودائع مرتين، الأولى عند السحب والثانية عند الصرف.

من كل ما سبق، نرى أننا نعيش في حلقة مفرغة ستوصل في النهاية إلى تضخّم مفرط لا ينتهي (رقمين في الشهر)، وهذا إن حصل سيكون هناك استحالة للخروج منه نظرًا إلى الضرر الهيكلي الذي يشكله التضخم. الجدير ذكره أن بلدًا مثل البرازيل وهو منتج للنفط ويمتلك الكثير من المواد الأولية، حذف 18 صفراً من عملته وهو ما يدلّ على مدى صعوبة التخلّص من التضخّم المفرط، فأين لبنان من ذلك؟

من هذا المنطلق، نرى أن محاربة التضخّم أصبحت أولوية في أجندة الحكومة الجديدة نظرًا إلى تداعياته الاقتصادية والاجتماعية. ولكن ما هي الخطوات الفعلية الواجب القيام بها؟

أولا – يجب القضاء على السوق السوداء – أي السوق السوداء للدولار الأميركي والسوق السوداء للسلع والبضائع.

ثانيًا – القضاء على الاحتكار عبر إنزال أشدّ العقوبات بالمحتكرين من خلال سوقهم أمام القضاء.

ثالثًا – وقف التهريب الذي تقوم به عصابات عبر الحدود والذي يؤذي بشكل كبير المواطن اللبناني من باب التضخّم.

رابعًا – خفض وتيرة طبع العملة وإلزام التجار قبول الدفع بالبطاقات المصرفية والشيكات المصرفية.

إن التقاعس عن القيام بهذه الإجراءات سيؤدّي إلى كارثة على الصعيد الاجتماعي، وما التقارير الدولية عن الفقر في لبنان إلا دليل على خطورة ديناميكية الفقر في لبنان والتي من الظاهر أننا فقدنا السيطرة عليها ولا يمكن وقف تطورها السلبي إلا بمساعدة خارجية.

الأكثر قراءة

«عرض عضلات قواتي» ومخرج الراعي للاستدعاءات موضع بحث بعد رفض باسيل