اعادة ترتيب الأوراق أم اعادة ترتيب السياسات؟

اذا تسنى لكم أن تشاهدوا صور الجثث المعلقة على الرافعات في مدينة هرات الأفغانية؟ هذا كان مخططاً له أن يحدث في دمشق وحماه، في بيروت وبعلبك، في بغداد والكوت، في مكة والظهران، بل في كل ديار المسلمين!

لا غرابة هنا مادامت هذه هي رؤيتهم لله، ورؤيتهم للاسلام. التأويل التوراتي للقرآن، حتى الملائكة، في رسومهم البدائية، تبدو باللون القرمزي. لون الدم...

ما يثير الهلع أكثر أن الأميركيين، ومنذ أيام جون فوستر دالاس، يريدون للاسلام أن يكون هكذا. تسويق ثقافة قايين وهابيل، أي ثقافة الدم، لكي يستنزفوا آخر نقطة نفط في أرضنا. وكان هنري بيرانجيه، ممثل فرنسا في مؤتمر الطاقة الذي التأم مع نهاية الحرب العالمية الأولى (1918 )، قد وصف النفط بـ «دم الأرض».

عشرون عاماً، والأميركيون يجثمون على صدور الأفغان . قالوا ان الغاية من الغزو اجتثاث «أولئك البرابرة من النسيج الأفغاني»، ليعود نقياً مثل بيوتهم البيضاء التي طالما تغنى بها الرحالة.

ماذا فعل جورج بوش الابن، وباراك أوباما، ودونالد ترامب، سوى تلك المحاولة الكاريكاتورية لبناء جيش من الانكشارية؟ أنفقوا المليارات على صناعة مئات آلاف الضباط والجنود الذين سقطوا، خلال ثوان، كما تماثيل الثلج. لا شيء سوى النزر اليسير لاعادة بناء الانسان الا اذا كانو يعتبرون أن التحديث السوسولوجي يبدأ بشفتي مارلين مونرو وينتهي بساقي الليدي غاغا.

الليدي غاغا، بكل مفاتنها الاستراتيجية، ظهرت على الشاشات، وفي صالات السينما، وحتى في الحوانيت. هل بنى الأميركيون جامعة في قندهار، وهل وزعوا كتب ارنست همنغواي، ووليم فولكنر، وتوني موريسون؟ كل هذا لم يحدث. أينما حل الأميركيون كانوا يوزعون أطباق الهوت دوغ وعبوات الكوكا كولا. هذا ليس «الحلم الأميركي American Dream الجحيم الأميركي»؟

الزلزال الأفغاني هز الأبراج العالية، والقامات العالية . أهكذا يتركنا الأميركيون جثثاً معلقة على الرافعات . لقاءات تحت الكاميرات، أو وراء الكاميرات، لاعادة ترتيب السياسات (هل تناهت اليكم قهقهات آيات الله) ؟

حتماً لسنا ضد الوجه الآخر لأميركا . عبقرية التفاعل بين الأجناس، وبين الحضارات، وبين الثقافات، ناهيك عما وصفه فرنكلين روزفلت بـ «تفجير الأدمغة» بتلك المنتجات الطبية، والعلمية، والطبية، الخارقة، وان كان الياباني ياسوناري كاواباتا قد وصف من ألقوا بالقنبلة الذرية على هيروشيما بـ «ورثة الشيطان».

حتى الانكليز الذي احترفوا تقطيع الأوصال، وصياغة الخرائط على ذلك النحو الغرائبي، أو على ذلك النحو المفخخ، يلفتون الآن الى تغييرات محتملة في قواعد اللعبة على امتداد الشرق الأوسط . نستعيد، في هذه الاشارة، وصف جوزف ستالين لونستون تشرشل ابان مؤتمر يالطا، بـ «الروح القدس».

لعلنا في لبنان، كدولة على هذا المستوى من الهشاشة، وكمجتمع تحوّل الى قصاصات طائفية تحكمها الحساسيات، والكراهيات، الأكثر تأثراً بأي تغيير يحصل أياً كان نوعه. في هذه الحال، ألم يحن الوقت لكي نعي ما يحدث حولنا، وحتى في عقر دارنا، لنكون شركاء في صناعة السياسات لا أن نتنتظر على أرصفة الأمم أو على تخوم القرن التاسع عشر؟

قطعاً، لا نقول بادارة الظهر لأميركا، ولن نكون من السذاجة بمكان لندعو الى مقاطعتها لأن ذلك أشبه ما يكون بمقاطعة القرن، ولكن يفترض أن نعلم أن هناك حقائق أخرى، واحتمالات أخرى، تتشكل حولنا ولا بد أن تكون لها تداعياتها علينا.

حين يلتقي وزير خارجية مصر بوزير خارجية سوريا في نيويورك، أليس من المنطقي (منطق الجغرافيا ومنطق التاريخ) أن يكون وزير خارجية لبنان بين الآثنين، لا أن نكتفي بدور من يمارس الديبلوماسية برؤوس الأصابع؟

لم يعد ممكنأ البقاء هكذا رهينة المصابين بالعمى السياسي، أو بالعمى الطائفي. آن الأوان لنفتح عيوننا، أدمغتنا، على مصراعيها. ولتتوقف ثقافة القوقعة !!

الأكثر قراءة

«عرض عضلات قواتي» ومخرج الراعي للاستدعاءات موضع بحث بعد رفض باسيل