زيارة رئيس وزراء الاردن بشر الخواصنة على رأس وفد وزاري الى بيروت، قد تبدو عادية اذا ما ربطت بالتحضير لانعقاد اللجنة العليا اللبنانية-الاردنية، او بملف التعاون باستيراد الكهرباء من الاردن وعبرها الغاز المصري، لكن ما هوغيرعادي الدور المحوري والمستجد الذي يضطلع به الملك عبدالله الثاني في المنطقة، خصوصا الملف السوري، فباعتباره صديقا «موثوقا» به لدى الرئيس الاميركي جون بايدن الذي ساهم في افشال «الانقلاب» على عرشه مؤخرا، يقود العاهل الاردني استراتيجة «تأهيل» دمشق او استعادة سوريا الى «الحضن» العربي بالتنسيق مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. وكان له الدور الرائد في اقناع واشنطن بضخ «شريان» طاقة الحياة الى بيروت لمنع جر لبنان على نحو كامل الى «الحضن الايراني» اثر اعلان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عن بدء استجرار المحروقات عبر البواخر الايرانية. وهكذا عاد لبنان ساحة تنافس اقليمي دولي القاسم المشترك فيه استعادة سوريا، فيما يبقى السؤال الى اين؟ وكيف سيكون انعكاس ذلك على الحياة السياسية اللبنانية حيث يتحسس الكثير من اللاعبين التقليديين «رؤوسهم» قلقا وخوفا من الآتي في الاسابيع والاشهر المقبلة. 

وفي هذا السياق، تلفت مرجعية سياسية مطلعة على «كواليس» الاقليم الى ان الموقف الاردني- المرصي ليس بريئا، لكن المفارقة الرئيسية ان الاندفاعة نحو سوريا تحظى بتغطية من الولايات المتحدة الاميركية التي لا تبدي اي اهتمام بمصالح «الحلفاء» على الساحة اللبنانية او حتى السورية، بعدما اقنعتها عمان والقاهرة بضرورة الانفتاح على دمشق في محاولة لمنح القيادة السورية خيارات أخرى للتحالف «غير المتكافىء» مع طهران، وثمة اعتقاد بان اعادة دمشق الى الجامعة العربية سيمنحها «مظلة» اقليمية تسمح لها بالمناورة والتعامل «بندية» مع الايرانيين كما كان يحصل قبل الحرب عام 2011 وليس كما يحصل راهنا مع اضطرار السوريين الى الاستسلام التام امام موسكو وطهران! 

وجهة النظر هذه وجدت آذانا صاغية في العاصمة الاميركية حيث ترغب ادارة بايدن بالتخفيف من ملفات المنطقة، ووجدت ضالتها بالحليفين المصري والاردني لقيادة هذا المشروع بعدما اقتنعت واشنطت بان الرهان على تغيير النظام بات من الماضي وليس امامها من خيار الا محاولة «ترويضه»، وفق قاعدة عدم خسارة سوريا على نحو كامل ومحاولة تعويض الهزيمة العسكرية بمكاسب سياسية لو بحدها الادنى. وهكذاعلى نحو متسارع زاد نشاط العلاقات الأردنية - السورية، بترحيب اميركي علني، وتامن الانفتاح الاقتصادي، والسياسي والامني. 

وامام تسارع اندفاعة حلفاء واشنطن العرب باتجاه سوريا، «دق جرس» الانذار في بيروت لدى مجموعة كبيرة من القيادات السياسية التي بدأت تتلمس ان حضورها في التوازنات الداخلية سيكون بخطر اذا ما اعيد التسليم بالدور السوري من جديد، خصوصا ان ما رافق تشكيل الحكومة من ضبابية انتهت «بولادة» رعتها ايران وفرنسا «بغض نظر» اميركي، ترك الكثير من علامات الاستفهام حيال ما ستؤول اليه التركيبة السياسية في البلاد في ضوء التوازنات الجديدة. وللمفارقة ان اول «المتوجسين» كان «ثلاثي» التحالف القديم الذي قاد البلاد لسنوات طويلة والمتمثل برئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس تيار المستقبل سعد الحريري، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، والاخير ربما الاكثر تعبيرا عن «المأزق» الراهن من خلال تغريداته الاخيرة المعبرة، وكذلك «فتح النار» بالنيابة عن بري باتجاه المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم. 

ووفقا لمصادر مطلعة، لا يشعر رئيس المجلس النيابي بالاطمئنان الى طبيعة حجم دوره السياسي في المرحلة المقبلة، خصوصا انه يستعجل «تطبيع» العلاقات مع دمشق لكنها لا تزال تتعامل «ببرودة» واضحة مع مساعيه على الرغم من دخول حزب الله على «الخط»، ففي سوريا عتب كبير لم يتبدد على رئيس المجلس الذي «تأخر» كثيرا في اعلان دعمه للنظام في مواجهة «الحرب الكونية» عليه، ولهذا لا يبدو بري «مرتاحا» «للطبخة» التي تجري بعيدا عنه هذه المرة، فيما يرى استهدافا ممنهجا «لمساعده الايمن» النائب علي حسن خليل، عبر العقوبات الاميركية من جهة وملاحقته «استنسابيا» في تفجير المرفأ مع الوزير غازي زعيتر، وجاء كلام اللواء ابراهيم حول «خلافته» في رئاسة مجلس النواب ليزيد التوتر في عين التينة، بعدما فهمت انها «رسالة» سورية واضحة، فدخل جنبلاط على «الخط» واضطر ابراهيم للتوضيح، فيما كانت حركة امل ترسل «رسالة» ميدانية معبرة عبر مناورات «غير صامتة»! 

وفي سياق متصل، يعتقد كل من جنبلاط والحريري ان دورهما سياسيا لا يمكن ان يستمر في حال اضعاف بري، لكن الاخير يحظى بدعم حزب الله وتغطيته ويشكل له «شبكة آمان» حتى اشعار آخر، ولهذا يشعرالرجلان ان وضعهما اصعب بكثير، وهما يراقبان على نحو مقلق التطورات الاقليمية حيث لا نصير لهما بعد قرار السعودية بالخروج من «اللعبة»، وقد ترجم هذا الامر اخفاقا من قبل الحريري في تشكيل الحكومة وخروجه خالي الوفاض سياسيا ومعنويا، بعدما «انقلب» الرئيس نجيب ميقاتي على مبدأ تمسك به 13 شهرا اي تشكيل حكومة اختصاصين دون منح عون «الثلث الضامن»، لكن ما حصل كان العكس تماما، والحكومة الحالية ولدت بتوازنات «مختلة»، لم يستطع الحريري الاعتراض، وكان جنبلاط «مستسلما» للواقع، بينما اضطر بري للتراجع عن تهديده بعدم المشاركة اذا لبى ميقاتي شروط عون. 

يضاف الى الثلاثي «القلق» رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع الذي بدأ يتلمس اجواء تحجيم لقوته في الشارع المسيحي بعد سلسلة من الضربات الموجعة غير «البريئة» برأيه، بعدما جرى حشره في الزاوية اثر الكشف عن تورط آل الصقر في تخزين وتهريب المحروقات والتعامل بشحنات «نيترات الامونيوم»، وثمة اعتقاد في معراب ان هناك شيئا ما يتحضر لحشر القوات اللبنانية وذلك في سياق تحضير الاجواء لمرحلة سياسية جديدة في البلاد، وما يعزز المخاوف ان المراجعات لدى السفارة الاميركية في بيروت انتهت دون تطمينات جادة حيال طبيعة العلاقات المفترضة مع النظام السوري وانعكاسه على لبنان، والاجابة الوحيدة من السفيرة دوروثي شيا كانت»اثبتوا انفسكم في الانتخابات». والخشية كبيرة لدى جعجع من اعادة «تعويم» النائب جبران باسيل مجددا باعتباره سيكون احد اكبر المستفدين من «تاهيل» النظام السوري عربيا ودوليا، خصوصا انه يعد لزيارة دمشق مع رئيس الجمهورية ميشال عون في الاشهرالقليلة المقبلة. 

كل ما سبق يبرر بواعث القلق لدى هؤلاء، وحده حزب الله يبدو «مرتاحا» بعدما بدات دول الجوار تقتنع بصوابية خياراته تجاه سوريا، وكل حديث عن رغبات اقليمية ودولية لابعاد سوريا عن ايران كثمن لعودتها الى الجامعة العربية، غير واقعي، برايه، ولا يتمشى مع التطورات والمتغييرات التي حصلت خلال السنوات القليلة الماضية، لكن ما هو ثابت ان عودة سوريا لتأدية دور فاعل في المنطقة، بات مسألة وقت، لا اكثر ولا اقل، وبحكم «قهر الجغرافيا»، سيكون لبنان احدى تلك الساحات، ولهذا بدأ الجميع يحصي حسابات الربح والخسارة...!

الأكثر قراءة

مسدس سعادة النائب