هذه امرأة من ألمانيا، أي من بلاد هيغل، وفاغنر، وغوته، وماركس، وكانط، وبيتهوفن. أيضاً هي من بلاد... كلوديا شيفر!

لم تقرأ أي كتاب في الفلسفة «لكي يستريح الآلهة من أسئلتنا المملة»، ولم تقرأ أي كتاب في التاريخ «لأنني أشعر بالعار حين أرى أولئك الذين يهزجون لمن يقرعون الطبول بأحذيتهم». قالت ان مهنتها «قراءة الزمن. الزمن الآتي، الذي بأبواب كثيرة أبواب مستحيلة . آمل أن أكون قد فتحت أمام ألمانيا أحد هذه الأبواب».

هزنا رحيل أنغيلا ميركل الى الظل. كم يذهب بنا الخيال حين نقول أن لبنان بحاجة الى امرأة مثل هذه الامرأة، والى رجل مثل كونراد اديناور حين يصنعون من الحطام القاطرة الاقتصادية للقارة العجوز، وحين يثيرون سخط دونالد ترامب لأن ألمانيا تنافس «أميركا العظمى» في ما دعاها لودفيغ ايرهارد «تكنولوجيا الحياة».

قالت ان أمام العالم أزمنة صعبة، ان بفعل التشابك الفوضوي بين الأسواق، أو بفعل الصراع العبثي بين الأمبراطوريات، أو بفعل خروج بعض الايديولوجيات من القبور. لذلك كانت دعوتها «أن نحمل معاولنا ونهدم كل الجدران التي تحاول أن تفصل بيننا وبين الحياة»...

الكل، من ايمانويل ماكرون الى أنطوني بلينكن وأنطوني غيريتش، يدعون الى اجراء الانتخابات في موعدها. ماذا يغيّر في المشهد أن يذهب الماعز الى صناديق الاقتراع؟ وماذا يعني أن نكون أمام قانون (همجي) للانتخابات، حيث تكريس المذهبية، والتفرقة، والكراهية، كما لو أن لبنان ليس بحاجة الى ديناميات التفاعل بالأبواب المشرعة على الآخر، لا البقاء في ثقافة الأقبية وفي ثقافة القوقعة.

أليست الغاية من الانتخابات، كما يدعو العالم، تداول السلطة، وضخ الدماء الجديدة (والرؤى الجديدة) في المؤسسات الدستورية ؟ يا أصحابنا في أصقاع الدنيا، العديد من قادتنا يختارون نوابهم كما يختارون راقصات الباريزيانا. الدم الجديد هو دم الأبناء، والشقيقات والأشقاء، بمعنى آخر... الغربان ترث الغربان!

هنا التوريث السياسي التوريث القبلي. النسخة اللبنانية عن اللوياجيرغا الأفغانية (كونسورتيوم القبائل). المسألة لا تقتصر على المقعد النيابي، أو المقعد الوزاري. الطائفة تركة للورثة، الحزب تركة للورثة. كم هو مدهش سامي الجميّل حين يدعو الى التغيير وهو يرتدي وجه القبيلة، وعباءة القبيلة، وتوتاليتارية القبيلة!

هل من أحد يستطيع أن يقول لنا أين هم، في السوق السياسية، أبناء اديناور، أو أبناء روزفلت، أو أبناء تشرشل، أو أبناء ديغول؟ المشكلة، المشكلة الأبدية، ليست في مواصفات قادتنا، ولا في نصوص قوانين الانتخاب. المشكلة فينا كناخبين يفترض أن نكون عصب الديموقراطية، وعصب التغيير، فاذا بنا نجثو للأوثان، ونهلل للأوثان، ونهتف (بالروح، بالدم...) للأوثان.

ما معنى أن تجري الانتخابات، ولا نبقى حراساً لمتحف الشمع اياه، اذا كانت الطبقة البديلة تتمثل (وهذا ما أظهرته لعبة الشارع)، بـ»ابناء الذوات» وباللاهثين (حفاة الرؤوس وحفاة الوجوه) نحو سيرك النجوم في ساحة النجمة؟ لكنها الكوميديا (التراجيديا) حين لا نجد أي حزب، حتى في المفهوم الكلاسيكي للحزب، وضع أمام الملأ برنامجه للانقاذ، وللعودة الى الحياة، نحن الذين في حالة... ما دون الحياة؟

لم نر برنامجاً واحداً حتى الآن، باستثناء التصريحات الدونكيشوتية. ورقة شربل نحاس، كطائر غرد خارج السرب، ذرتها الرياح، لأنها لعالم غير عالمنا، ولزمن غير زمننا. كيف لنا، كيف للدجاج، أن يصنع الديمقراطية التي قال ألكسي دو توكفيل انها مثل أولاد الأزقة تربي نفسها بنفسها؟

درجنا على الحديث عن ذلك الطراز من الديموقراطية الذي يطبخ في طناجر الآلهة، أو في طناجر أنصاف الآلهة. الديمقراطية العرجاء. بالأحرى، ديموقراطية الليدي غاغا!

لا تعنينا الانتخابات، كونها المسرحية الرثة، المملة. بعض الذين لا يكترثون بالنتائج لأنها معروفة سلفاً، يفضلون البقاء مع الأركيلة، ومع منقوشة الزعتر، ومع طبق الفول المدمس، بدل أن يمضوا الساعات الطويلة في الطوابير.

ماعز في البيت (مع أم العبد) أفضل من الماعز في الشارع. يقولون... هذا قدرنا!!

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء