سألت راهبة صديقة ما يمكن أن تفعله هذا العام في ليلة الميلاد . أجابت «عادة، أجثو، لساعات، خاشعة، وأنا أصلي أمام السيد المسيح لكي يبقى معنا. تلك الليلة لسوف أرجوه ألا يعود لأننا قد نصلبه، ثانية، بأيدينا. وراء كل باب ثمة يهوذا في انتظاره»!

استعادت أمامي سؤال تيار دوشاردان الى الله «لماذا تركت حجر قايين يهوي على رأس هابيل»؟ ليقول «كانت هذه الخطيئة الأصلية الثانية . عجباً، كيف أن السيد المسيح لم يتنبه الى ذلك، ويغسلها مثلما غسل، بدمه، وهو على الصليب، الخطيئة الأولى».

الراهبة الصديقة قالت ان مقالة فرنسية لفتتها كثيراً . كاتب المقالة قال «ان لبنان ليس بحاجة الى خطوط تماس، والى تبادل القذائف المدفعية، ولا الى تدمير المدن»، ملاحظاً «أن حرباً أهلية من نوع آخر، وأشد ضراوة، اندلعت على الأرض اللبنانية وأدت الى تدمير البنية الفلسفية، والبنية السوسيولوجية، لهذا البلد الذي على قاب قوسين من الاندثار».

بالرغم من كل تلك الأهوال «الجميع ذئاب الجميع» . هكذا استعاد الكاتب مقولة توماس هوبز. ها أننا في طريق العودة الى ثقافة الطنابر، والى أيام سفر برلك، حيث البحث في روث البغال عن حبة الشعير . اللبنانيون منشغلون في صراع الكراهيات لا في الثورة على من قادوهم الى الخراب. الى ما بعد، ما بعد، الخراب...

أحدهم في «القوات اللبنانية» كتب على صفحته «لسوف نأتي بالسلاح ولو من الشيطان. ولتكن اسرائيل».اذاً، هي حرب البقاء. ليقل لنا بين من ومن، ولمصلحة من يمكن لهذه الجثث (وكلنا جثث مع وقف التنفيذ) أن تعود الى ليل المقابر؟

ثمة كاتب اسباني قال، بعد سنوات من انتهاء الحرب الأهلية في بلاده، «أيها الموتى، كل الذين سقطتم من أجلهم يدوسون على قبوركم الآن»... لم نأخذ الأمثولة من الحرب الأهلية عندنا، وكيف مشوا فوق قبور الموتى، وهم في مواكبهم الملكية، الى عروشهم!

ليس افتتاناً بالنظام الايراني، لكن ايران لا يمكن أن تكون الشيطان، وهي التي ساعدتنا في حربنا لاجتثاث الاحتلال، وان كانت لديها هواجسها الجيوسياسية، وهواجــسها الجيوستراتيجية، التي تخيف الكثيرين منا...

لماذا لا نستورد البنزين، والمازوت، والغاز، منها، ما دام أشقاؤنا، وأصدقاؤنا، ينتظرون موتنا، حتى أن قيادياً حزبياً، ينقل بزهو، عن ديبلوماسي خليجي، ما معناه «بعد ما شفتو شي» . ماذا يمكن أن نرى أكثر من العودة، زحفاً على بطوننا، الى العصر الحجري؟

الايرانيون أبدوا استعدادهم ليبنوا لنا محطات لتوليد الكهرباء، ولتزويدنا باحتياجاتنا النفطية بالليرة اللبنانية لا بالدولار المقدس.

ونحن نلفظ أنفاسنا الأخيرة، كيف لنا أن نخاف من العقوبات الأميركية، وماذا يمكن أن تفعل بنا هذه العقوبات أكثر مما فعلت، اذا كنا على مسافة خطوات  من... المجاعة؟

عالقون على الخشبة بين الموت والحياة . واقعاً بين الموت والموت. كيف لأناس، هكذا، مبعثرين في أروقة الجحيم (ولا يعيشون ولا يموتون كما رآنا دانتي في الكوميديا الالهية)، القدرة على الضغينة، وعلى اقامة الجدران الحديدية في ما بينهم؟ هذا لا يمكن أن يحدث الا في لبنان . البلد الذي طالما قيل فيه ـ ونردد ـ «أريكة القمر»، أو «أريكة الآلهة»، بات «أريكة الشيطان» . نحن الذين ننثر الورود على الشيطان!

لبنان يختنق... لبنان يحترق. المساعدات التي تقدم لنا لا تكفي حتى للذباب. الصينيون كذبة بيضاء أم كذبة صفراء؟ هؤلاء الذين اخترقوا باستثماراتهم الأدغال الأفريقية، يخشون من الأميركيين، ومن «الاسرائيليين» (أصدقاؤهم «الاسرائيليون»)، ان يخترقوا الادغال اللبنانية. هي الفضيحة ام المهزلة ؟

نقول للايرانيين أمّا وأننا نحتسب عملاء لكم (ولن نكون عملاء لأحد)، ماهي العوائق اللوجستية، والسياسية، التي تحول بينكم وارسال قوافل من ناقلات النفط، أو من الصهاريج، من بلادكم الى بلادنا . وليعترض من يعترض، وليصرخ من يصرخ؟

تذكّروا أن آموس هالشتاين عندنا . لعلمكم ترسيم الحدود البحرية، بالمفاهيم والمعايير الأميركية، المدخل الى ترسيم طريقنا الى الخروج من القاع . هكذا الموت بيد أميركا. الحياة بيد أميركا. مثلما قالت الراهبة الصديقة: «أيها السيد المسيح لا تعد»...

الأكثر قراءة

للرؤوس الساخنة في ايران