«ما دام لا يستطيع أن يلعب كثيراً خارج الخطوط الحمراء، وحتى لا يتلقفه فلاديمير بوتين، الأفضل ألا ندع رأسه يقع. على الأقل كونه الورقة التكتيكية الضاغطة على ايران في سوريا، وفي العراق، وفي القوقاز، وحتى في أفغانستان»...

هذا المقتطف من تقرير للجنرال كينيث ماكنزي، قائد القيادة الأميركية الوسطى، وصل الى رجب طيب اردوغان، عبر عاصمة خليجية، وهو العالق بين خيوط العنكبوت.

هنا، وهناك، وهنالك، ومن ضفاف المتوسط الى ضفاف قزوين، لا مجال للعب الا داخل الأسلاك الشائكة . الأميركيون لا يثقون به ولا الروس.

هل يمكن أن يفضي ذلك الى انقلاب في رأس الرئيس التركي الذي تتردد معلومات لدى بعض الأوساط الديبلوماسية بأنه قد يعيد النظر في سياساته حيال سوريا، وحيث كان يمكن لـ «التعاون الأخوي» بين البلدين أن يأتي بمفاعيل جيوسياسية، وجيوستراتيجية، فائقة الحساسية على امتداد الشرق الأوسط ؟

ها هو يستشعر أن ثمة من يضغط عليه في المنطقة القاتلة، أي في الاقتصاد الذي شق الطريق أمامه للبقاء في السلطة لنحو عقدين من الزمان...

هذا لا ينفي دور الايديولوجيا في تعبئة الكثيرين من الأتراك الذين يعتقدون أن ورثة أتاتورك الذي وضع مساراً آخر للتاريخ التركي، كما للثقافة التركية، أخفقوا في اختراق الاتحاد الأوروبي الذي يصر بعض قادته على اعتباره نادياً مسيحيا، حتى اذا ما دخل اليه الأتراك، بالطربوش وبالنرجيلة، لن يكونوا سوى حصان طروادة الذي يفجر القاعة بمن فيها.

الليرة تنهار على نحو دراماتيكي. الأسباب أكثر بكثير من أن تكون أسباباً تقنية. هل هي العقوبات اللامرئية بعدما لوحظت التعليقات في الصحف الأميركية والأوروبية التي تتحدث عن البعد الهيستيري في الأداء السياسي والاستراتيجي لاردوغان؟

في هذا الوقت بالذات، جاءت الدعوة الغربية الى الافراج عن الناشط المدني عثمان كافالا . اردوغان ربط الأشياء ببعضها البعض ليستنتج أن ثمة من أعد سيناريو ما  لمحاصرته، وربما لخلعه عن العرش العثماني...

رأى في الهجوم أفضل طريقة للدفاع . اعتبر 10 سفراء، من بينهم سفراء الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، اشخاصاً غير مرغوب فيهم . من يصدق ذلك ؟ الأوروبيون أدركوا أن خطوته هذه انما تنطوي على تهديد بدفع مئات آلاف اللاجئين، والكثيرون منهم مقاتلون في منظمات ارهابية، الى أبوابهم . وكان التراجع المثير للذهول باعلان السفراء التزامهم ميثاق فيينا الذي يحظر تدخل الديبلوماسيين في الشؤون الداخلية للبلدان التي يعملون فيها.

هؤلاء هم انكشارية رجب طيب اردوغان الذي، وعلى مدى سنوات، نسّق مع العديد من الأجهزة الأميركية، والأوروبية، والاقليمية بطبيعة الحال، لنقل عشرات آلاف « الجهاديين»، الآتين ليالي الصفيح، ان لم يكن من ليالي جهمم، لتقويض الدولة في سوريا.

لا شك أن الرجل الذي لا يتحمل وجود أي شخص يشكل تهديداً له في بقائه الأبدي على العرش، ومن فتح الله غولن الى عثمان كفالا، ناهيك عن أحمد داود أوغلو وعلي باباجان، ربح الجولة الأولى. لكن رأسه لا يزال، ويبقى، بين أصابع جو بايدن، ودون أن يتوقف الأوروبيون عن وصفه أمام حلفائهم على الضفة الأخرى من الأطلسي بـ «الشخصية القميئة»!

الدول الأوروبية تتعامل معه، بتلك اللغة الملتبسة، اللغة المتعرجة، كما كان يتعامل ملوك، وقياصرة، القارة العجوز مع سلاطين بني عثمان «. دعوه ينتفخ، وينتفخ، الى أن ينفجر». قي زمننا، المعادلات موضوعة بمنتهى الدقة، ولا سبيل أمام أي كان، وان امتطى حصان جنكيزخان، لا حصان مكيافيللي، للعبث بتلك المعادلات.

يلاحظ أن ثمة صحافيين، وحتى ديبلوماسيين، أتراكاً بدأوا يلمحون الى نوع من التواصل المباشر، أو غير المباشر، مع دمشق التي تؤكد مؤشرات كثيرة على أنها تعد، عسكرياً، لاستعادة الأراضي المحتلة ان من الأتراك، أو من الأميركيين.

الصحافيون اياهم يتحدثون عن العبء المالي، والعبء السيكولوجي، لمخيمات النازحين في منطقة ادلب، في حين أن «الاخوان المسلمين» الذين كانوا يعتبرون أن الخليفة العثماني سيفتح أمامهم أبواب دمشق، وأبواب القاهرة، ناهيك عن أبواب أخرى، يشتكون الآن من أن اردوغان « يبيعهم كما أكياس الشعير على أرصفة الأمم». وهذا ما ظهر، بشكل جلي، في تراجع اردوغان أمام عبد الفتاح السيسي.

حتى ولو كان سؤال الكثيرين في سوريا ... «من تراه يثق بالثعبان ؟»، يبدو أن الكلام الأخير الذي صدر عن وزير الخارجية فيصل المقداد، وبعد تطبيع العلاقات مع الأردن، لم يكن تعبيرأ عن البراغماتية، وهي فلسفة القرن، وانما عن العقلانية في المقاربة السياسية للتطورات.

هل يمكننا أن نتصور رجلاً، بمواصفات رجب طيب اردوغان، يمكن أن يغسل يديه من كل تلك الدماء ؟! 

الأكثر قراءة

للرؤوس الساخنة في ايران