لا يزال السباق على أشدّه بين محاولات السلطة والحكومة في لبنان وضع حدّ لعاصفة الإجراءات السعودية والخليجية في حق لبنان، والمضي في هذه الإجراءات بلا هوادة ، ويمكن أن تصل الى أبعد حدود ما دامت المواقف الرسمية اللبنانية لا تتجاوز حدوداً كلامية، ولا ترقى إلى مصاف الاجراءات التي تطالب عبرها الدول الخليجية  كنقطة انطلاق أولية لبدء معالجة الأزمة وفق مطالبها ، وفيما أصبحت المطالب مكشوفة وقاسية وأبعد من استقالة وزير ، تعتبر مصادر مقربة من الصرح البطريركي الماروني أن أزمة لبنان مع دول الخليج وضعت في المقابل المسيحيين بين فكي كماشة، وكأن ما حلّ بهم من مصائب وويلات لا تكفيهم سبيلا لبقائهم في البلد !

كيف يمكن تظهير هذه الصورة ومعالجتها في آن معا ؟

المصادر البطريركية، وهي العاملة بصمت على خط إمكانية جمع القادة المسيحيين، ولو أن التعويل على النتائج لا يمكن أن يشجع على المسير في هذه الدرب الوعرة قياسا على ما سبق من اجتماعات منذ ما قبل اتفاق الطائف ، وبالرغم من هذا الجو المعروف لدى بكركي فإنها لا تستطيع الوقوف صامتة أمام هذا المشهد الدراماتيكي الذي يعيد نفسه عند كل مفترق في لبنان سياسيا أو حتى عسكريا بين أهل البيت الواحد ، خصوصا مع التعبئة الحاصلة على مواقع التواصل الاجتماع وعلى خلفية الخطوات السعودية بالذات ، حيث تعمد بعض الجهات ضمن البيت الواحد الى تهشيم العاملين في الخليج ووضعهم عن حق أو باطل في خانة هذا المحور أو ذاك مما يؤثر في معيشة هؤلاء وعائلاتهم وإمكانية ترحيلهم من هناك ، وقد أحيط البطريرك الراعي علما بهذا الجو المشحون حتى على لقمة العيش، حيث أبدى انزعاجه الشديد مما يحصل بين الاخوة الذين يعملون لتحصيل لقمة عيشهم.

ووفق هذا المشهد المأسوي في لبنان عموما وبين المسيحيين خصوصا، تلفت هذه المصادر المقربة من الصرح البطريركي الى أن هناك حربا» من نوع آخر نشبت أو على قيد الحصول على خلفيات متعددة منها الانتخابات النيابية والعلاقات بين لبنان والخليج ، ويبدو أن نتائج الضربات الموجعة بين الاطراف المسيحية بدأت بالظهور وفق الاتي :

1- يبدو أن الخلاف القديم - الجديد والمتجدد بين «القوات اللبناينة» و»التيار الوطني الحر» يتصاعد بسبب أو من دونه، وفق خلفيات لا تمت الى الوحدة بشيء ومن دون معرفة الاسباب الجوهرية التي تصب في خانة وحدة الموقف ، وأن «مطوّلة» التنوع ضمن الوحدة شكلت كذبة كبيرة سبيلا للتشرذم وانعدام الرؤية المستقبلية لمجتمع يكاد ينقرض من الشرق بكامله ، وتقول المصادر ان أدنى حالات «الإجماع» ولو على مفردة واحدة مفقودة ولا يمكن إيجادها، خصوصا أن هذه العلاقة يحكمها التوتر يوما بعد يوم ، ويتحكم بهذه المصادر الكثير من التخوف من تحول هذا الخلاف الى «النزاع» الأبدي بعد سلسلة من الإخفاقات وضعت الأصفاد في أيدي أهل الخير وباتوا عاجزين بشكل جوهري عن مجرد إدارته ، فكل شيء وأمر وفكرة وحتى الموت لا يوحدهما سوى في تقديم التعازي !!

على أن هذه المصادر تتردد كثيرا وعن وجه حق في مجرد التفكير بجمع بعض القادة المسيحيين ، فالسياسة السعودية وبشكل نسبي تفرقهما ، والفريقان في حقيقة الامر أدنى رتبة وقوة وغنى وحتى مجرد التفكير سوى بمسألة «الإستتباع» ، ولا قيمة وازنة لهما في المسار السعودي الاقليمي والدولي ، فالسعودية دولة كبرى في المنطقة ولها مصالحها وسياستها الخاصة ولا يستطيع فريق لبناني، وعلى وجه الخصوص مسيحي أن يلتحق بهذا الركب الكبير قياسا على حجمه داخل لبنان ، وتزيد المصادر : أنه غني عن القول أن الفريقين المسيحيين باستطاعتهما التقرب من سياسة المملكة ، وهذا أمر فيه الكثير من الايجابيات ويصب في مصلحة لبنان والمسيحيين ، أما عملية تمترس «القوات» أو «التيار الوطني» داخل الحضن الدافيء لكل من إيران أو السعودية دون معرفة حقيقة ما يجري بين الدولتين  ففيه الكثير من المجازفة، ويصل الى حد التهور أو اعتبارها «سندة ضهر» على نتائج لا يمكن سبر أغوارها من قبل أحزاب لبنانية محلية سوف يودي بها الزمن الى دفع الأثمان غاليا !!

2- مع «تيار المردة» الذي يخاصم فعليا «التيار الوطني الحر»، وعلى وشك الإرتطام مع «القوات» على خلفية الإجراءات السعودية والخليجية ، ترى هذه المصادر أن الانتخابات النيابية وإن شكلت عائقا بين «الوطني الحر»  و»المردة» يبقى خيط التعاون «الإستراتيجي» كما يقول سليمان فرنجية بينهما قائما لكنه معوج ، وبشكل عملي سوف تبدأ بعض الإرهاصات بالتشكل بين «القوات» و»المردة» ومعالمها سوف تظهر بالتواتر والتوتر بينهما وفق خلفيات سياسية، وفي مقدمها قرب «المردة» من حزب الله وسوريا ، فيما «القوات» تسير في منحى معاكس ، لكن هذه المصادر تؤكد أنها ستعمل مع الفريقين الأخيرين في محاولة لعدم توسيع «بيكار» الخلاف وإستدراكا للمستقبل.

وتخلص الاوساط المقربة من الصرح البطريركي الى اعتبار ما يحصل على الساحة المسيحية وتمدد قادتها نحو رحب «اليم» الكبير سيجعل من المسيحيين لقمة سهلة للإبتلاع في بحر كان لا يرى فيهم سوى الفنادق والملاهي وبعض المستشفيات ... وهذا بمجمله أجهضته الصراعات المسيحية التي أنهكتها الأطماع الشخصية وإشعال الوقود تحت أقدامهم ، تماما كشخص كانت كلفة دفنه أربعة آلاف دولار فيما حاجته الى الاستشفاء لا تقارب ثلاثة آلاف !!!

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟