أدخل لبنان في مأزق تفاقم الخلل في العلاقات بينه وبين السعودية ودول الخليج الذي بدأ منذ العام 2017 على خلفية احتجازها لرئيس الحكومة سعد الحريري آنذاك، وإرغامه على تقديم استقالة حكومته من الرياض، ثمّ تدخّل الدولة اللبنانية وطلب فكّ أسره وتمكّن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من القيام بذلك وإعادته سالماً الى لبنان. ترافق ذلك مع سحب الودائع السعودية والخليجية من المصارف اللبنانية، ومن ثمّ وضع السعودية «الفيتو» على إعادة ترؤس الحريري للحكومة، مروراً بشحنة الرمّان الآتية من سوريا الى لبنان فإلى السعودية والتي احتوت على حبوب مخدّرة، وبالاستياء من كلام وزير الخارجية والمغتربين السابق شربل وهبة، وصولاً الى تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي التي أوصلت الى التصعيد السعودي غير المبرّر تجاه الدولة اللبنانية، ومن ثمّ الخليجي على الصعد السياسية والديبلوماسية والتجارية والمالية. فكيف سيخرج لبنان من هذا المأزق الذي يُضاف الى الازمة الاقتصادية والمالية والمعيشية الخانقة التي يمرّ بها، والتي تشتدّ يوماً بعد يوم وتؤثّر في حياة اللبنانيين؟!

تقول مصادر سياسية عليمة إنّ لبنان بات اليوم في وضع لا يُحسد عليه، جرّاء ردّة الفعل «غير المنطقية» من قبل السعودية على تصريحات الوزير قرداحي التي أتت قبل توزيره، وتدخل ضمن حرية الرأي من قبل إعلامي أدلى بموقف سياسي يتعلّق برأيه الشخصي، ولم تتبنّاه بالتالي الدولة اللبنانية، بل على العكس أعلنت أنّ ما قاله قرداحي لا يُمثّل الموقف الرسمي للبنان، وذهبت الدولة الى حدّ إصدار البيانات التي عبّرت عن حرص لبنان على أطيب وأفضل العلاقات مع المملكة كما مع سائر الدول الخليجية. وبعد سلسلة المشاورات التي عقدها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في قمّة المناخ في غلاسكو، والتي خرجت بضرورة إيجاد مخرج لهذه الأزمة من دون استقالة الحكومة، طلب ميقاتي لدى عودته من قرداحي في كلمة ألقاها في السراي الحكومي «تحكيم ضميره» أي الاستقالة، فجاءه الردّ سريعاً من قبل وزير الإعلام بأنّه لن يستقيل ما لم يحصل على ضمانات من السعودية بأنّ خطوته هذه ستؤدّي الى حلّ الأزمة.

وتجد المصادر أنّه بات معلوماً أنّ تصريحات قرداحي لا تؤخذ عليه كونه صرّح بها عندما لم يكن وزيراً بعد، ولم يكن بالتالي ملتزماً بالبيان الوزاري لحكومة ميقاتي الذي خصّص بنداً ينصّ على محافظة لبنان على أفضل العلاقات مع السعودية ودول الخليج. مع الإشارة الى أنّ الزيارة الأولى لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى الخارج بعد تسلّمه الرئاسة كانت للسعودية.

فهل ستتمّ اليوم إقالة قرداحي من قبل الحكومة، أم سيقوم مجلس النوّاب بحجب الثقة عنه، في حال ظلّ على موقفه الرافض للاستقالة، بهدف إعادة العلاقات اللبنانية - الخليجية الى طبيعتها؟ تُجيب المصادر نفسها بأنّ أيا من هذين السيناريوين ليس وارداً حالياً. فلبنان ليس بحاجة الى المزيد من التشنّجات والخلافات والإنقسامات الداخلية، وأي خطوة من هذا النوع سوف تُدخل لبنان في التصادم، في حين أنّ المطلوب اليوم التفكير بهدوء من أجل إيجاد الصيغة الممكنة لتحسين العلاقات مع دول الخليج. فالتصعيد السعودي من خلال قطع العلاقات الديبلوماسية مع لبنان، ووقف الصادرات اللبنانية وإن وُجد لها بعض الحلول، فضلاً عن وقف التحويلات من اللبنانيين العاملين والمقيمين في دول الخليج، والذين يبلغ عددهم نحو نصف مليون لبناني، الى عائلاتهم في لبنان من شأنه أن يؤثّر سلباً في وضع هذه الأخيرة، والذي أصبح سيئاً أساساً بفعل الأزمة الإقتصادية الخانقة التي يمرّ بها البلد.

وبرأي المصادر نفسها أنّ صيغة الحلّ يجب أن تأخذ بالاعتبار أولاً أنّ لبنان هو بلد سيّد حرّ ومستقلّ، ولا يُفترض أن تُفرض عليه إملاءات من أي بلد بتعيين وزير ما أو إقالة آخر، كما عليها ثانياً عدم الإفساح في المجال أكثر لتضييق الخناق على لبنان ومحاصرته أكثر فأكثر، إذ يكفيه ما يُعانيه من أزمات متراكمة، فيما كان ينتظر تشكيل الحكومة بصبر نافد لإنقاذه من هذه الأزمات. ولهذا على المسؤولين التوافق على دفع الثمن المقبول الذي لا يمسّ بكرامة وسيادة لبنان، ولا يستهدف بالتالي وحدته الداخلية. أمّا أن يدفع الوزير قرداحي الثمن باستقالته من دون التوصّل الى أي حلّ للأزمة أو عودة السعودية ودول الخليج عن مقاطعتها للبنان تجاه لبنان، فإنّ خطوته هذه لن تكون ذات فائدة على الوطن.

ولفتت المصادر الى أنّ لبنان غالباً ما يتعرّض لانتقادات من قبل إعلاميين سعوديين وخليجيين ويستهدف بعضها رئيس الجمهورية العماد عون، لكنّه لا يحتجّ ولا يُصعّد كونه يحترم «حرية الرأي والتعبير». ومن هذا المنطلق، فإنّ السعودية التي استاءت من تصريحات قرداحي يمكنها أن تتقدّم بدعوى ضدّه، رغم أنّ كلامه لم يحمل أي قدح أو ذمّ لها أو تهجّم عليها، ولكن لا يمكنها معاقبة كلّ الدولة اللبنانية نتيجة تصريحات شخص واحد لم تتبنّاها دولته. فالعلاقات الجيّدة بين الدول، لا سيما بين الدول الشقيقة والصديقة مثل لبنان ودول الخليج لا يُمكن أن تكون مبنية على تصريحات من شخص لم يكن في منصب مسؤول، وردّات الفعل غير المبرّرة.

وبناء عليه، ولإخراج لبنان من هذا المأزق الذي أُقحم به، ومن ردّات الفعل العفوية على الدولة اللبنانية، على ما عقّبت المصادر، أن تُصدر بياناً تضامنياً، بعد اجتماع الحكومة بكامل وزرائها، يُعيد التأكيد على موقفها الرسمي من محيطها العربي بأنّها «لا تتدخّل في الشؤون الداخلية للدول العربية، ولا تتعاطى في الصراعات العربية بين دولة وأخرى، وتلتزم بالتالي بسياسة النأي بالنفس عن هذه النزاعات، وتحترم العلاقات بين لبنان والسعودية وسائر دول الخليج القائمة على الإحترام المتبادل». كما تلتزم بالمادة 8 من ميثاق جامعة الدول العربية التي تنصّ على أن «تحترم كلّ دولة من الدول المشتركة في الجامعة نظام الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى، وتعتبره حقّاً من حقوق تلك الدول، وتتعهّد بأن تقوم بعملٍ يرمي الى تغيير ذلك النظام فيها».

وأكّدت المصادر عينها أنّ لبنان هو بلد التنوّع السياسي والطائفي والحزبي، وعلى الدول المحيطة به احترام خصوصيته هذه. فإذا كانت السعودية على خلاف مع حزب الله، الذي هو مكوّن سياسي فيه، وتجد في ذلك أساس المشكلة لتصعيدها تجاهه جرّاء تصريحات قرداحي، فهذا لا يعني أن تُقاطع لبنان ككلّ على الصعيد الديبلوماسي والسياسي والتجاري وحتى الشعبي. فهذه المقاطعة لن تحلّ المشكلة، بل على العكس، سيُصبح حلفاؤها في لبنان متروكين، وستفقد بالتالي أي حضور أو نفوذ لها على الساحة اللبنانية، وسيؤدّي هذا التشنّج بالتالي إذا ما تفاقم الى فتنة داخلية مع انقسام اللبنانيين بين مؤيّد ومعارض لمواقف السعودية والدول الخليجية المتشدّدة تجاه لبنان، وهذا لن يصبّ لا في مصلحتها ولا في مصلحة لبنان الذي لا يودّ عزله عن الدول الخليجية، بل على العكس يريد الانفتاح على محيطه العربي، كما كان منذ التاريخ.

وترى المصادر أنّ زيارة وزير خارجية قطر المرتقبة الى لبنان لا بدّ وأن تحمل معها مفتاح الخروج من الأزمة اللبنانية- السعودية - الخليجية، سيما أنّ قطر تُبدي مرونة دائماً تجاه لبنان، وترفض بالتالي مقاطعة الدول الخليجية له. أمّا الحل فينطلق من ضرورة الحفاظ على التضامن العربي، وعلى سيادة لبنان واستقلاله، كما على الاستقرار الأمني فيه، والى عودة العلاقات مع دول الخليج الى صفوها وسابق عهدها. 

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟