تمددت الأزمة المالية والنقدية التي ضربت لبنان في أواخر عام 2019 إلى مجمل القطاعات اللبنانية، وطالت الجيش اللبناني. حيث أدّى انخفاض قيمة العملة الوطنية (الليرة اللبنانية) مقابل الدولار الى تآكل قيمة رواتب عناصر الجيش لأدنى المستويات، ليصبح راتب الجندي في الدرجة الأولى يساوي أقل من 45 دولاراً، (اذا حسبنا الدولار في السوق الموازية على سعر صرف الـ20 ألف ليرة) بعدما كان سابقاً يوازي 600 دولاراً.

ويواجه الجيش اللبناني مشاكل عدة لخّصها قائد الجيش العماد جوزيف عون في خطابه الشهير بتاريخ ٨ آذار ٢٠٢١، خلال اجتماعه مع أركان القيادة وقادة الوحدات الكبرى والأفواج المستقلة في اليرزة والذي أطلق فيه صرخة مدوية لفت خلالها إلى أنّ: "العسكريّ يعاني كما البلد، وراتبه فقد قيمته"، سائلا المسؤولين "إلى أين نحن ذاهبون؟ ماذا تنوون أن تفعلوا؟ لقد حذرنا أكثر من مرة من خطورة الوضع وإمكان انفجاره، بدكن جيش يضل واقف على إجريه أو لأ؟ كل عام يتم تخفيض موازنة الجيش أكثر، الأمر الذي يؤثر سلباً على معنويات العسكريين، والمؤسسة العسكرية بادرت إلى اعتماد سياسة تقشف كبيرة من تلقاء نفسها تماشياً مع الوضع الاقتصادي، فيما المطلوب من الجيش مهمات كثيرة وهو جاهز دائماً، لكن ذلك لا يمكن أن يقابَل بخفض مستمر ومتكرر للموازنة وبنقاشات حول حقوق العسكريين".

ولفت عون إلى أنّ "الحديث مع المعنيين لم يوصل الى نتيجة، فهم لا يهمهم الجيش أو معاناة العسكريين"، مؤكدا "أننا لن نرضى أن يتم المس بحقوق عسكريينا سواء في الخدمة الفعلية أم المتقاعدين"، مؤكدا أنه "لولا المساعدات التي يقبلها الجيش كان الوضع أسوأ بكثير، ومهما كان حجمها فالجيش يقبلها بحسب الأصول للحفاظ على الجهوزية العملانية".

وانطلاقا من الفكرة الأخيرة التي ذكرها قائد الجيش نسأل: ما قد يكون تأثير الأزمة الديبلوماسية بين لبنان والدول العربية على الوضع الاقتصادي للجيش اللبناني وسط التخفيض المستمر لموازنة الجيش؟ وهل قطع العلاقات الديبلوماسية سيؤدي إلى قطع المساعدات عن الجيش؟


إصلاح الوضع المالي للدولة يأتي على حساب الجيش!

في كل مرّة تريد الدولة إصلاح وضعها المالي وتخفيض الموازنة، تتجه أولا الى تخفيض موازنة الجيش طارحة مسألة الضمائم العسكرية الخاصة بالعسكريين، ومنها التدبير رقم 3. (المعروف أنّ هذا التدبير هو أحد درجات الإستنفار والجهوزية لوحدات الجيش وفقاً لمستوى المهمّات التي تقوم بها، وهو يرفع من التدبير رقم 1 إلى التدبير رقم 3، وفقاً لحجم المهمة ونسبة الخطر الذي تقدّره القيادة العسكرية. وبموجب هذا التدبير، يتقاضى العسكري تعويضَ نهاية الخدمة عن كلّ سنة ثلاث سنوات (1×3)، وقد تمّ اللجوء إليه خلال الفترات السابقة لرفعِ تعويضات العسكريين بعدما كان متعذّراً تأمين الزيادات العادية).

وتطال موازنة الجيش اللبناني لعام 2019 و 2020 و2021 تخفيضات على مواد حيوية شملت المحروقات، التغذية، النفقات السرية، النفقات الاجتماعية، التجهيزات، الإنشاءات، المكافآت، فضلًا عن بنود أخرى كما يظهر الجدول التالي: 

وتجد الإشارة الى ان العسكريين لا يتقاضون تعويضًا عن الأعمال الإضافية أسوة بالموظفين المدنيين في إدارات الدولة.وبمقارنةٍ بسيطة نجد أنّ العسكري في الوحدات الميدانية يعمل نحو 680 ساعة شهريًا (بعد الأخذ بالاعتبار قانون العمل لجهة مضاعفة ساعات العمل ليلًا وفي العطل الرسمية)، فيما يراوح عدد ساعات الموظف المدني بين 50 و 150 ساعة شهريًا. فلو تقاضى العسكري بدل ساعاته الإضافية بشكلٍ فوري لحصل على عشرة أضعاف التعويضات التي يتقاضاها في نهاية الخدمة، نتيجة تآكل القدرة الشرائية.

وبالرغم من أن قانون الدفاع الوطني والمرسوم الاشتراعي رقم 5397 /82 حقّهم بالتعويض وبالراتب التقاعدي عند نهاية الخدمة. الا ان القانون يحدّد سن التقاعد للموظّف المدني بـ 64 عامًا، في حين يحدّد قانون الدفاع سن التقاعد للعسكريين في عمرٍ لا يتجاوز الـ58 سنة للضباط والـ52 سنة للرتباء والأفراد، وذلك لعدّة اعتبارات، أبرزها أنّ طبيعة العمل القاسية والتدريبات التي يخضع لها العسكري تُنهك جسَده وتَستنزفُ طاقاته وقدراته البدنية، وبالتالي لا بد لقيادة الجيش من رفد عديدها بالعناصر الشابة بشكلٍ مستمر، لأنّ الجيوش لا يمكن أن تكون هَرِمة بل فتيّة وشابة، لتستطيع تأدية واجبها .

والجدير بالذكر أنّ قيادة الجيش كانت الوحيدة التي أعادت أموالًا فائضة إلى خزينة الدولة في أواخر العام 2018، فيما أنفقت سائر الوزارات كل اعتماداتها.


جولة على المساعدات الممنوحة للجيش اللبناني

إلى جانب المساعدات الاميركية، والتي تشكّل الغالبية العظمى من المساعدات الخارجية لقطاع الأمن في لبنان ، في شكل تدريب ومعدات، حيث تعد الولايات المتحدة الشريك الرئيسي للبنان، يليها الإتحاد الأوروبي. للدول العربية دور اساسي في دعم الجيش اللبناني لا سيما بالمعدات الطبية والمواد الغذائية، والمال، وبعض المعدات العسكرية.

• المساعدات قبل ازمة 2019:

من أهم الجهات المانحة والمساعدات التي قدمت بين عامي 2006 و2016 نذكر الآتي:

- الإمارات العربية المتحدة: تشمل تقديماتها منشآت مسبقة الصنع، زوارق وقطع بدل لها، طوافات غازيل، دبابات M60، قاطرات أجهزة إشارة، ودروعًا واقية من الرصاص وغيرها.

- المملكة العربية السعودية: قدّمت سيارات سياحية، تجهيزات طبية، إضافة إلى سبعين مليون دولار نقدًا وجزءًا من الهبة الطارئة التي كانت قيمتها مليار دولار، وقد جمّدت منذ مطلع العام الجاري.

- قطر: قامت بتقديم طوافة رئاسية وسيارات سياحية.

- الأردن: قدّمت إثني عشر مدفعًا ذاتيّ الحركة M109A وثلاثين ملّالة M113A3 وقطع بدل مختلفة.

يضاف إلى الدول المذكورة الكثير من الدول الصديقة الأخرى والتي قدّمت مساعدات للبنان مثل الكويت، مصر، الجزائر، المغرب...

أمّا الدول التي قدّمت المساعدات للجيش اللبناني في السنوات الثلاث الأخيرة أي بين عامي 2019 و2021 فنذكر:

• مصر:

قدّمت مصر طائرة مساعدات محملة بمواد طبية وغذائية إلى الجيش اللبناني(25-2-2021). وسفينة حربية محملة بمئات أطنان المساعدات الغذائية للجيش اللبناني (14-6-2021).

• الأردن:

أرسلت الأردن فريقا طبيا من 99 شخصا يرافقهم فريقا متخصصا، ومستشفى ميداني يتسع لـ48 سريرا وضع بتصرف الطبابة العسكرية في الجيش.

• قطر:

أرسلت قطر فريق بحث وإنقاذ مؤلف من 45 شخصا. مستشفيان ميدانيان يتسع كل منهما لـ500 سرير، وُضع أحدهما بتصرف مستشفى مار جرجس (الروم) ومركزه موقف سيارات المستشفى نفسه، وآخر بتصرف مستشفى الجعيتاوي ومركزه موقف سيارات المستشفى نفسه. إضافة إلى ذلك أرسلت قطر طائرتين يوميا على مدار 3 أيام تحمل مواد غذائية ومستلزمات طبية.

• الكويت:

أرسلت الكويت طائرة على متنها مواد طبية ومواد غذائية.

• الجزائر:

أرسلت الجزائر فريق بحث وانقاذ مؤلف من 39 شخصا بين إطفاء ودفاع مدني، وفريق طبي من 11 شخصا، إضافة إلى مستلزمات طبية ومواد غذائية.

• المغرب:

أرسلت المغرب مستشفى ميداني مع طاقم طبي مؤلف من 60 شخصا بتصرف مستشفى الوردية، إضافة إلى مواد غذائية ومواد طبية خاصة بالكورونا.

• سلطنة عُمان:

أرسلت عمان مساعدات طبية.

• تونس:

أرسلت تونس طائرتان على متنهما مواد طبية وغذائية.

• الإمارات:

أرسلت مسلتزمات طبية للكورونا لصالح الجيش.

• السعودية:

أرسلت المملكة العربية السعودية طائرتان على متنهما 200 طون من مسلتزمات منزلية والمعدات طبية والمواد غذائية.

• البحرين:

أرسلت البحرين مستلزمات طبية وأدوية.

• العراق:

فريقا طبيا مؤلفا من 18 طبيبا متخصصا باجراء العمليات الجراحية، بالاضافة إلى 20 طنا من المواد والمعدات الطبية، و22 صهريجا محملا بـ800 لف ليتر من مادة الغاز أويل.


يحتاج الجيش إلى تخصيصه بمبلغ مالي سنوي من الدخل القومي للبنان:

هذا ويستمر قائد الجيش العماد جوزاف عون بجولاته على الدول لتأمين الدعم اللازم للجيش اللبناني، وكانت آخر هذه الزيارات للولايات المتحدة الأميركية تلبيةً لدعوة رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال مارك ميلي، للبحث في سبل إستمرار دعم الجيش وتطويره في ظل الظروف الإقتصادية الراهن، حيث التقى عون عددا من النواب وأعضاء مجلس الشيوخ وأعضاء مراكز الدراسات الإستراتيجية من أصل لبناني ومجموعة الدعم الأميركية للبنان، إضافةً إلى لقاءات أخرى في وزارة الخارجية. وجاءت هذه الزيارة بعد وقوع الأزمة الديبلوماسية بين لبنان ودول الخليج.

وفي المحصّلة، لاشكّ بأنّ الأزمة بين لبنان ودول الخليج ستؤثر سلبا على حجم المساعدات العربية المقدمة للجيش اللبناني، حيث تساهم المساعدات الممنوحة للجيش إلى حد كبير في تأمين المطلوب، لكنها لا تكفي لسدّ حاجاته من الأسلحة والصيانة والتدريب اللازم لتمكينه من تنفيذ مهماته بشكل فعّال، على الحدود وفي الداخل اللبناني، خاصة بعدما ارتفعت حالات الفرار من المؤسسة العسكرية في الفترة الأخيرة. لذا يحتاج الجيش إلى تخصيصه بمبلغ مالي سنوي قيمته محدّدة بنسبة مئوية من الدخل القومي للبنان، وذلك أسوةً بباقي الجيوش لتمكينه من تأمين حاجاته من الأسلحة ووضع خطّة متوسطة وطويلة الأمد لتطوير قدراته القتالية.


 

الأكثر قراءة

باسيل للديار : لن نبقى ساكتين امام التعطيل...فلتجتمع الحكومة او «ما تكفي» وانصح ميقاتي بالدعوة لجلسة والمعترضين بالحضور السعودية تريد مواجهة حزب الله واذا ما فهم فرنجية انها لن تشتري من احد شيئا بلبنان فمشكلة !