اذا كان هيرودوت قد قال، منذ 2500 عام، ان الشرق الأدنى يقع على خط الزلازل (فاته أنه على خط الحرائق أيضاً)، قد يكون في باله أن لبنان قلب الشرق الأدنى كونه نقطة التقاطع بين الزلازل مثلما هو نقطة التقاطع بين الحرائق...

أكثر من مؤرخ لاحظ أن الديانات ولدت في الشرق، والايديولوجيات ولدت في الغرب . في زمننا، من يستطيع التفريق بين الديانات والايديولوجيات. هذا ما أفضى، جدلياً، الى احتدام الصراع بين الطوائف على امتداد المنطقة. مأساتنا في لبنان، أيضاً، كوننا، أيضاً، نقطة التقاطع بين صراع الطوائف، وصراع المذاهب.

السذّج وحدهم، الرومانسيون (مثلنا) وحدهم، من يدعون الى قيام الدولة المدنية. نحن ورثة مئات القرون من الثقافة الغيبية. ثقافة الغيبوبة...

أولياء أمرنا ألقوا بنا في جهنم. اساقفة الغيب  قالوا لنا ان ثمة أبواباً للدخول الى هناك  ولا أبواب للخروج. الأميركيون، بسطحيتهم المعهودة، يعتبرون أن الانتخابات النيابية (كسبيل لتداول، أو لتغيير، السلطة) هي بوابة الخروج من جهنم. الى أين...؟

هذا هو التصور الأميركي لنتائج الانتخابات : سمير جعجع لن يتوّج الزعيم الأوحد للمسيحيين فحسب، بل سيتمكن، بالتغطية السياسية والمالية السعودية، من استقطاب عدد كبير من النواب السنّة. في هذه الحال، من غيره يستطيع أن يطرق، بحذائه الثقيل، أبواب القصر الجمهوري، أياً يكن موقف «حزب الله» من ذلك...؟

كيف للأميركي الذي يعتبر نفسه «حوذي الأزمنة» أن يتغافل عن امكانية حدوث تطورات، أو تحولات، تفضي الى تغيييرات دراماتيكية في الوضع الراهن، سواء انتهت المفاوضات الأميركية ـ الايرانية، والسعودية ـ الايرانية، الى التسوية أم الى الصدام؟

ليس ثمة من مجال لاخفاء الأزمة داخل تيار المستقبل، كنتيجة طبيعية لأزمة الرئيس سعد الحريري. الثابت أن الأزمة انسحبت، بكل ظلالها، على الطائفة التي باتت تشكو، علناً، من «هلهلة القيادات» . السعودية، وهي القبلة السياسية، والدينية، لهذه القيادات، كما وصفها الرئيس نجيب ميقاتي، أنهت، بالضربة القاضية، الحريرية السياسية، دون أن تشير، باصبعها، وهي الاصبع الذهبية، الى البديل.

أشرف ريفي الذي يحاول التسلل، وعبر الثقوب، الى الصف الأمامي، لا يرى فيه القادة الآخرون أكثر من ظاهرة دونكيشوتية، اذ كيف لقائد السنّة، وهم أهل الأمة، أن يكون ظلاً لقائد «القوات اللبنانية» ؟

وراء الضوء كلام عن محاولة للاستعاضة عن المرجعية السعودية، بالمرجعية التركية التي تبحث عن موطئ قدم في كل مكان من خارطة السلطنة. أحد مشايخ الشمال زار اسطنبول عسى أن يقنع القادة المؤثرين في «حزب العدالة والتنمية» بالسعي لدى رجب طيب اردوغان لجمع الشقيقين سعد وبهاء الحريري.

حتى الآن، بهاء يعتبر أن سعد انتهى سياسياً، وهو من يفترض أن يتسلم مقاليد قيادة التركة لسياسة للأب، أو ما تبقى من هذه التركة. أوساطه تتحدث عن مفاجأت مدوية ستأتي بها صناديق الاقتراع. من يصدق؟!

اذاً، جعجع هو رجل السعودية، ورجل أميركا، في آن. لاعب بارع في الحلبة السياسية، وفي الحلبة الطائفية. لا مجال للمقارنة بين تركيبته الشخصية وتركيبة الرئيس ميشال عون، أو مع التركيبة الشخصية لجبران باسيل الذي أثبت، بالرغم من ذكائه، أنه، باتجاهاته النخبوية، بعيد جداً عن أن يجاري جعجع في اللعب التكتيكي على ساحة تحكمها الاثارة، والتعبئة، الشعبوية.

مرجعية روحية مارونية لاحظت أن مشكلة الجنرال في كون الذين يحيطون به لا تعوزهم فقط ديناميكية التواصل، وانما أيضاً... خفة الظل!

ولكن أليس الاستقطاب الطائفي لدى المسيحيين، ويفترض أن يكون لهم دورهم الآخر بين الحصان السني والحصان الشيعي، هو الاستقطاب القاتل؟

أي انتخابات وسط هذه الجلبة البابلية ؟ أحد حكماء الطائفة السنية قال لنا «أخشى أن يكون الأميركيون، بغبائهم السياسي، يدفعون بلبنان الى... الحرب الأهلية».

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟