لست من هواة كرة القدم. بالرغم من ذلك، تابعت مباراة الفريقين اللبناني والايراني بعدما استثارتني تغريدة شيعي لبناني تمنى فيه الفوز لـ «فريقنا الايراني» على «الفريق الشقيق»، أي الفريق اللبناني.

هذا ليس من شيعة لبنان، ولا هكذا يفكر الشيعة. صاحب التغريدة أهان دماء الذين سقطوا بين تلال وأودية، الجنوب، وأولئك الذين سقطوا في تضاريس السفوح الشرقية، دفاعاً عن لبنان، لا دفاعاً عن أي بلد آخر...

استثار أعصابي (لا عصبيتي) أداء فريقنا الوطني. استذكرت ما كتبه هنري كيسنجر (وقد أكثرت من العودة اليه في هذه الأيام) أثناء مباريات كأس العالم في التسعينات من القرن المنصرم. لاحظ الارتباط بين أداء كل فريق والأداء الاستراتيجي للدولة التي ينتمي اليها.

لم نكن بحاجة لنعلم أين نحن في هذا الكلام. دولة عمياء، وتحكمها العشوائية. لا مكان للعقل الاستراتيجي، ولا للرؤية الاستراتيجية. تمنينا لو أن ملوك المافيات عندنا أداروا الدولة بالطريقة التي تدار بها المافيات.

كان أعضاء الفريق يتقاذفون الكرة كما يتقاذف الفريق السياسي (بأقدامهم) الرعايا (الضحايا) الذين بدأوا بييع أثاث منازلهم كي يأتوا بالطعام ـ الحد الأدنى من الطعام ـ لأولادهم. وقد تصل بنا الحال، أو هي وصلت فعلاً، لبيع بعض أولادنا لاعالة البعض الآخر.

لا نتصور أن ذلك الفريق يشعر كيف تحلّق العملة الخضراء، وكيف تهوي عملتنا، ونهوي معها. هل ثمة من جحيم آخر أشد هولاً من الجحيم  الذي نحن فيه؟

كيف يمكن أن يرف جفن لتلك المومياءات التي تمتطي ظهورنا اذا ما تسنى لأحدكم أن يقرأ ما كتبته «الفايننشال تايمز» حول «موت بلد جميل» ؟ لا فارق بين هذه الدولة والمقبرة. على الأقل ثمة أسوار للمقبرة!

اتصل بي أسقف بقاعي. قال، تعقيباً على مقالتي «انتخابات نيابية أم حرب أهلية؟»، «معلومات مرجعيتي الروحية أن هناك جهة ما قررت الحيلولة دون اجراء الانتخابات النيابية، وسواء باصطناع هزات سياسية أم باصطناع هزات أمنية كي لا يحدث انقلاب في خارطة القوى في ساحة النجمة...».

وقال «لو كنت محل أصحابك لتركت الأمور تأخذ مجراها، ولما مانعت في انتخاب سمير جعجع رئيسا للجمهورية ليحترق مثلما احترق الجنرال منذ تلك اللحظة الاغريقية التي وطأ فيها أرض القصر».

سأل «هل تتصور أن جعجع سيأتي بالعجائب، ويعيد احياء تلك الجثة التي تدعى الجمهورية اللبنانية، أم سيضطر الى عقد الصفقة تلو الصفقة للبقاء على ذلك الكرسي العاري من أي صلاحيات سوى صلاحيات غوار الطوشي الذي كثيراً ما أخذته مثالاً ساخراً وصادماً؟».

وسأل «هل سيأمر رئيس الجمهورية الجيش بـ «غزو» الضاحية وتفكيك الترسانة السياسية، والعسكرية، لـ «حزب الله»، كما يغلق الأبواب مع سوريا ويفتحها أمام صفقة القرن، لنرى نفتالي بينيت يختال، بصحبة رئيس حكومتنا، وليكن أحمد فتفت أو نهاد المشنوق، في الداون تاون ؟».

في رأي الأسقف أن المشهد سيتكرر، ميكانيكياً . لن يرابط الأسطول السادس في خليج جونية، ولن تبعث الينا الادارة الأميركية بالمن والسلوى .

تحدث عن قناعة دولية بأن ازالة الطبقة السياسية، بتشكيلها الأخطبوطي، لن تزول الا بازالة الدولة اللبنانية، ومن ثم اعادة تركيبها بصيغة أخرى تختلف، كلياً، عن صيغة الجنرال غورو الذي تظهر الوثائق أنه لم يكن يعتقد أنها يمكن أن تبقى، وأن من المنطقي أن يكون لبنان جزءاً من تركيبة فديرالية تشمل الدول السورية الأربع التي أنشأها الانتداب، وأطاحت بها الثورة السورية الكبرى.

في نظره، أن التجارب أثبتت أن الميثاق الوطني عام 1943، ووثيقة الوفاق الوطني عام 1989، لم يكونا أكثر من مسرحية فولكلورية غابت عنها وجوه سبع ومخول ونصري، كما في الحكاية الرحبانية، لتحل محلها وجوه مصاصي الدماء.

الأكثرية النيابية ستكون في مكان آخر. فلتكن، وليكن جعجع رئيسا للجمهورية، لتحترق كل الأصابع، وكل الرؤوس. ولكن كيف للبنان أن يغتسل من الرماد، وكان هناك من أهال التراب على الفينيق الذي مات، ونحن على خطاه... ؟.

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟