هل ضاق الروس ذرعاً بالسياسات البهلوانية لرجب طيب اردوغان الذي يراقصهم، بقدم واحدة، والذي يهدد أمنهم الاستراتيجي في آسيا الوسطى والقوقاز، أم أن السوريين ضاقوا ذرعاً بتلكؤ فلاديمير بوتين، وحتى بالدم البارد لفلاديمير بوتين؟

مثلما السوريون بحاجة ماسة الى المؤازرة الروسية لدرء الأخطار التي تحدق بهم من كل حدب وصوب، الروس أيضاً بحاجة الى الشريك السوري الذي لولاه لما كان لهم موطئ قدم (اصبع قدم) في المياه الدافئة، ولكان الأميركيون على أبواب القيصر...

لم يعد باستطاعة القيادة السورية أن تنتظر. الأميركيون يضغطون بالنفط والقمح، وحتى بالماء. الاسرائيليون يضغطون بالغارات الجوية لابقاء سوريا بين النيران . الأتراك الذين كانوا يراهنون على أن تكون دمشق المدخل الى احياء السلطنة العثمانية، توقفوا في ادلب، بالثروات الزراعية الهائلة، وبالحساسية الجغرافية الفائقة، ليلعبوا بتلك الورقة القذرة. الفصائل الهمجية، بثقافة الحثالة وبدور الحثالة.

نتوقف قليلاً عند بعض الأصوات الببغائية على الشاشات، والتي تأخذ على بشار الأسد أنه لم يأخذ، في بدايات الأزمة، بنصائح الرئيس التركي حول احداث اصلاحات سياسية في بنية النظام.

هذا الديكتاتور، بالنرجسية المروعة، والذي لم ينفك، لحظة، عن التذكير بالتاريخ العثماني، كما بالتاريخ السلجوقي، وعن الدعوة الى تعديل مقررات مؤتمر لوزان (1923) لاستعادة ما يعتبرهما جناحي السلطنة، أي حلب والموصل، والذي زج بآلاف الجنرالات، والقضاة، والأساتذة الجامعيين، والصحافيين، في المعتقلات، نصح باجراء اصلاحات سياسية في سوريا!!

آراؤه تمحورت حول اشراك «الاخوان المسلمين» في ادارة الدولة لتفخيخها من الداخل بانتظار اللحظة (اللحظة العثمانية) لتفجير السلطة وفرض البديل.

لا أحد يغفل الدور الروسي الفاعل في تفكيك السيناريو الخاص بالانقضاض على دمشق، وبتواطؤ مع واشنطن وتل أبيب وأنقرة، ناهيك عن أكثر من بلاط عربي. خلال أيام قام الطيران الروسي بتحطيم خطوط الامداد، المتشابكة  على نحو مثير وخطير في آن، ليجد مقاتلو الفصائل أنهم باتوا أمام خيار وحيد، اما أن يتحولوا الى جثث معلقة على الجدران أو أن يلوذوا بالفرار.

الحلم العثماني سقط . لم يدخل اردوغان الى دمشق على حصان السلطان سليم، لكنه احتفظ بالنيوانكشارية التي تحميها دباباته، بعدما اعتبر أنه يستطيع أن يشتري الروس بصفقة الـ «اس . اس ـ 400» ليلاعب بها الشركاء في حلف الأطلسي، وعلى ضفتي الأطلسي.

القيادة السورية تدرك ما خلفيات مراقصة الدب الروسي للثعبان العثماني. ليس صحيحاً ما يقوله بعض المحللين الغربيين بأن الكرملين بات رهين الصفقة التي عقدها مع اردوغان. السياسات الباردة، أو المتعرجة، فرضتها تقاطعات جيوستراتيجية بالغة التعقيد.

هذا لا يعني أن الرئيس السوري يمكن أن يقبل بالمراوحة الراهنة دون خطوات حاسمة، ووشيكة . الوضع الاقتصادي يضغط بصورة دراماتيكية على يوميات الناس، وان كانت غالبية السوريين تعي الأسباب الخارجية لذلك.

المعلومات الديبلوماسية تقول ان الأسد كان، أثناء لقائه الأخير مع بوتين، في  منتهى الصراحة، لا سيما في ما يتعلق بتزويد الجيش السوري الذي اكتسب، طوال سنوات الحرب، خبرة ميدانية استثنائية، بمنظومات صاروخية مضادة للطائرات، بعدما بدا أن اردوغان لن ينسحب من الأراضي السورية بالوسائل الديبلوماسية، وكان القرار بارسال منظومة «اس.اس ـ 300»، ونصــبها على مقربة من الحدود التركية .

لماذا هذه المنظومة بالذات لا الـ «اس.اس ـ 400»؟ ثمة عوائق سياسية، وتكتيكية، ومالية، تحول دون تزويد دمشق بتلك المنظومة. لا يعني ذلك عدم وجود المسألة على الأجندة الســورية ـ الروسية. ثمة تحولات كثيرة، ومثيرة، في الأفق يمكن أن تساعد في ذلك، لا لتتغير فقط قواعد الاشتباك. قواعد اللعبة أيضاً...  

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟