في العلاقات بين الدول، عادة لا يكون المُعلن كالمُضمر، هذا هو الحال بالنسبة الى تركيا وما تريده من لبنان، فبعد أن عصفت الأزمة الدبلوماسية بالعلاقات بين السعودية ولبنان، وأعلنت الأولى الخروج منه دون عودة قريبة، وجدت تركيا أن الفرصة سانحة لها لتدخل الساحة اللبنانية، وتحديداً السنية، وهي التي خبرت سابقاً صعوبة هذه الخطوة.

منذ 5 سنوات تقريباً حاولت تركيا دخول الساحة اللبنانية من طرابلس، لكنها اصطدمت بعدة عوامل أدت الى فشلها، أبرزها الوجود السعودي، القوة الإماراتية، فهل يتغيّر هذا الواقع اليوم بعد خروج السعودية والإمارات من لبنان، وهل ستتمكن تركيا بالتحالف مع قطر، التي نسقت زيارة وزير خارجيتها الى لبنان مع الزيارة التركية، من تغيير التوجهات السنية في لبنان باتجاه محورها، مقابل المحور السعودي – الإماراتي، وهو أمر إن حصل سيصب بمصلحة إيران وحلفائها أيضا؟

تُشير مصادر نيابية سنّية في فريق 8 آذار إلى أن الأساس في النظرة إلى الدور التركي هو معرفة قدرتها على ملء الفراغ الذي تركته السعودية، بعد أن قررت الأخيرة الإنسحاب من الملف اللبناني بسبب صراعها مع «حزب الله»، في حين أن قضية تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي باتت هامشية، بحسب ما تؤكد المواقف التي تصدر عن بعض المسؤولين السعوديين، وبالتالي لم يعد من الممكن النظر إليها على أساس أنها أساس المشكلة.

وتشير المصادر إلى أن تركيا لم تجد فريقاً لبنانياً سنياً وازناً للتحالف معه، فاقتصر تأثيرها على شخصيات سنية طرابلسية بشكل أساسي، مشددة على أن السبب الأساسي في ذلك، هو أن غالبية الأفرقاء الفاعلين على الساحة السنية لا يزالون يفضلون العباءة السعودية على أي عباءة إقليمية أخرى، وهو ما باتت تدركه تركيا بشكل لا لبس فيه، وهذا التفضيل سببه «إيمان» هؤلاء بان السعودية لا يمكن أن تترك لبنان، لكنهم قد يغيرون موقفهم بحال لمسوا قراراً سعودياً جدياً بعدم العودة الى الماضي بما يخص علاقتها بلبنان، لأن أحداً من القوى في لبنان لن يكون سعيداً بحال بقي دون دعم خارجي.

بالنسبة الى المصادر، بحال عملت تركيا بالتحالف مع قطر على دخول الساحة اللبنانية بقوّة فإنها مما لا شك فيه ستجد بيئة حاضنة سنّية، لأن شعور هذه الطائفة بالغبن والتهميش اليوم قد يكون مفيداً لتركيا، خاصة بعد الغياب الخليجي، وضعف تيار المستقبل أيضا. لكن من يقول إن العوائق التي ستواجهها تركيا محصورة بالقرار السعودي، أو بالشارع السني ورغباته، إذ تكشف المصادر إلى أن الباب الذي اختار الأتراك الدخول منه الى لبنان، أي باب المشاريع والاموال في المرفأ والبنى التحتية، سيواجه معارضة فرنسية كبيرة، ففرنسا تعتبر الراعي الرسمي لحكومة ميقاتي.

قامت أنقرة بدعوة ميقاتي الى زيارتها رسمياً، وهذا يصب بمصلحة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي لم يعد بحاجة الى الدعم السعودي للبقاء في منصبه واستكمال عمله، كما يصب بمصلحته كرجل أعمال يملك علاقات أكثر من إيجابية مع الدولة التركية، ولكنه لا يناسب مصلحة فرنسا التي تتنافس مع أنقرة في كل منطقة شرق المتوسط، وهذا ما قد يخلق نزاعات جديدة بين فريقين كبيرين على الساحة اللبنانية. بالمقابل يمكن للبنان أن يستفيد من هذا الصراع إذا عرف مسؤولوه كيفية التعامل معه. 

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟