هل بدأ اللبنانيون العاملون في دول الخليج يدفعون ثمن الأزمة التي أثارتها السعودية مع لبنان على خلفية تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي عن اليمن قبل شهرين من تولّيه منصبه الوزاري والتي لم تجد طريقها بعد الى الحلّ؟! صحيح أنّ السعودية تُطالب باستقالة قرداحي الذي كانت تربطه بها علاقات طيّبة على الصعيد الشخصي والإعلامي، على ما قال، غير أنّ الأكيد أنّ استقالته لن تُعيد ترميم العلاقات بين لبنان والسعودية ودول الخليج. ويبدو أنّ تشديد الخناق على عنق لبنان من خلال «معاقبة» بعض اللبنانيين المقيمين في بعض الدول الخليجية، يأتي ليُواكب الحَرَد السعودي، لا سيما من قبل الكويت التي اتخذت إجراءات إبعاد أو ترحيل عشرات العائلات اللبنانية العاملة لديها من ضمن إبعاد مئة وافد من جنسيات أخرى بهدف حماية أمنها الذي هو «خطّ أحمر»، على ما أكّدت. ويُخشى من قيام دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى من التصعيد تجاه لبنان في المرحلة المقبلة، رغم طمأنة السعودية اللبنانيين العاملين والمقيمين على أراضيها، بعدم المسّ بهم وبأعمالهم، إلّا أنّها منعت التحويلات من قبل هؤلاء لعائلاتهم في لبنان، مع المقاطعة الديبلوماسية التي فرضتها ومنع الواردات اللبنانية اليها التي اتخذتها منذ بداية الأزمة المفتعلة.

مصادر سياسية مطّلعة أبدت دهشتها من القرار الذي اتخذته الكويت لإبعاد عشرات اللبنانيين مع عائلاتهم من ضمن مئة شخص من جنسيات مختلفة أدرجتهم على لوائح الممنوعين من تجديد إقاماتهم فيها بعد انتهاء صلاحيتها، وذلك بسبب «الإشتباه في انتمائهم أو انتماء أقاربهم من الدرجة الأولى أو الثانية الى حزب الله». علماً بأنّ صلة القرابة لا تدلّ بالضرورة على الإنتماء الحزبي نفسه. والمُفاجىء في الأمر، ورغم أنّ الكويت حذت حذو السعودية من خلال سحب سفيرها من لبنان وطرد سفير لبنان لديها، أنّه سبق لها وأن طمأنت رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على لسان نظيره الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح خلال اللقاء الذي جمعهما على هامش قمّة غلاسكو التي عُقدت اخيراً في اسكتلندا والتي أتت بعد الأزمة مع السعودية، أنّ بلاده حريصة على لبنان وتسعى باستمرار لدعمه في كلّ المجالات. ولكن يبدو بأنّها سرعان ما بدّلت موقفها لتُجاري السعودية في تعنّتها أمام إعادة العلاقات بينها وبين لبنان الى طبيعتها، رغم كلّ المحاولات والمساعي العربية والدولية للوساطة لديها.

وتقول المصادر بأنّ هذا الإبعاد للبنانيين من الكويت، إنّما يدلّ على التصعيد من قبلها تجاه لبنان، رغم أنّ هذا الأمر كان مستبعداً من دولة مثل الكويت تحرص دائماً على تهدئة الأجواء المشحونة، كما على مدّ يدّ المساعدة للبنان في الظروف الصعبة، كما يُمكن أن ينسحب على دول خليجية اخرى. علماً بأنّ دول الخليج أعلنت عن نيّتها عدم اتخاذ أي إجراءات عقابية تطال اليد العاملة اللبنانية لديها إثر الأزمة مع السعودية، ولهذا فإنّ الأمر يتخذ أبعاداً خطيرة قد تصل الى أكثر ما كان متوقّعاً من الأزمة المستجدّة.

أمّا اتخاذ الكويت إجراءات منع نحو 90 لبنانياً وعائلاتهم من تجديد إقاماتهم على محافظاتها الستّ، فيُشعر الجالية اللبنانية فيها، كما في دول الخليج بالقلق، على ما أشارت المصادر نفسها، ويؤدّي الى خفض العمالة اللبنانية في هذه الدول، لا سيما إذا ما جرى ترحيل عدد آخر من اللبنانيين في كلّ منها لأسباب واهية. فاللبنانيون غادروا بلادهم الى دول الخليج، كونها قريبة جغرافياً من لبنان، بحثاً عن العمل وعن لقمة العيش، ولا يجوز إقحامهم دائماً في الخلافات السياسية التي تحصل بينها وبين هذه الدول.

من هنا، يظهر بأنّ ثمّة أزمة حقيقية بين لبنان والسعودية، على ما عقّبت المصادر، في حال قدّم الوزير قرداحي استقالته أم لا، خصوصاً وأنّ أسبابها أبعد من ذلك، على ما صرّح وزير خارجيتها فيصل بن فرحان مرّات عدّة منذ نشوب الأزمة، مشيراً الى «هيمنة حزب الله على الحكم»، على ما وصفها. في الوقت الذي رأى فيه الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله في خطابه الأخير بأنّ السعودية تُبالغ كثيراً في كلامها عن أنّ الحزب يسيطر على البلد، ولو كان كذلك لما بقي سنتين يُحاول إزاحة قاضٍ عن التحقيق في انفجار مرفأ بيروت ولم يتمكّن حتى الآن، على ما قال.

ولهذا لا بدّ من السعي الجدّي لترميم العلاقات مع دول الخليج قبل تفاقمها، على ما ترى المصادر عينها، ولا بدّ من وساطة خارجية فاعلة لحصول مثل هذا الأمر، وإن كانت استقالة قرداحي التي يُطالب بها ميقاتي تدلّ على حسن نيّة لبنان لإعادة العلاقات الى طبيعتها، من وجهة نظره، حتى وإن لن ترمّمها بالمطلق. في الوقت نفسه، تسعى بعض الدول الى سدّ الفراغ الذي أحدثته مقاطعة بعض الدول الخليجية للبنان، مثل الأردن التي وافقت على استيراد بعض المنتوجات اللبنانية التي كانت تذهب الى السعودية، الى جانب مصر والعراق التي بدأت تستورد منتوجات لبنانية كانت تذهب الى السعودية ودول الخليج، فضلاً عن تركيا التي أعرب وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو الذي زار لبنان أخيراً، عن رغبة بلاده في تطوير العلاقات مع لبنان على مختلف المستويات لإنقاذه من الظلمة التي يمرّ فيها. ولفتت المصادر الى أنّ بعض الدول تُعيد اليوم دراسة كامل علاقتها مع لبنان وفق قواعد أو شروط جديدة.

وفيما يتعلّق بالمبادرة الآتية من تركيا، وبالسخاء التركي الذي تحدّث عنه أوغلو، فأكّدت المصادر أنّه لا بدّ للبنان من التريّث تجاهها، سيما وأنّه لا يستطيع الذهاب الى علاقات مفتوحة معها من دون التنسيق مع الاطراف الفاعلة فيه، لا سيما تلك التي أعطت الضمانات للرئيس ميقاتي نفسه لتشكيل حكومته. علماً بأنّ أوغلو عرّج على طهران قبل زيارة لبنان، لكي لا تُحسب مبادرته هذه التفافاً عليها، غير أنّ التنسيق يجب أن يطال أطرافاً أخرى أيضاً.

ويبقى القول أنّ ميقاتي لا يزال يعوّل على الضمانات الخارجية لحلّ الأزمة مع السعودية وبعض دول الخليج، كما لإعادة «تقليع» حكومته، وعقد اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، وإنجاز الإصلاحات المطلوبة منها، وحلّ مشاكل المواطنين الحياتية، وصولاً الى إجراء الإنتخابات النيابية في مواعيدها الدستورية، في دول الخارج، كما في الداخل. ولهذا يقوم بجولة على بعض دول الخارج لتسهيل إعادة تقليع الحكومة بدءاً من حلّ قضية القاضي طارق البيطار، ومنها زيارته المرتقبة الى روما.  

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟