يعتبر البعض أنّ المغتربين اللبنانيين الذين تسجّل منهم 244442 في القارّات الستّ في العالم من أصل نحو 820 ألفا يملكون الجنسية اللبنانية، يُمكنهم أن يُحدثوا «التغيير المطلوب». فالإنهيار الإقتصادي والمالي الذي أصاب لبنان لم يأتِ من العبث، بل كان لدول الخارج اليد الطولى فيه بهدف تغيير النظام في لبنان، أو الذهاب نحو الجمهورية الثالثة. وتعتقد هذه الدول بأنّ ما تصبو إليه، لا يُمكن أن يحصل إلا من خلال الإنتخابات النيابية المقبلة، ولهذا تُمنّي النفس بأن تصبّ أصوات الناخبين لصالح المرشّحين «المستقلّين»، أو مرشّحي الجماعات المعارضة والمجتمع المدني، على ما يجري تسميتهم... ولكن هل بالفعل يُمكن لأصوات الناخبين المسجّلين أن تُشكّل «قوّة تغييرية» بات الجميع يسعى إليها في لبنان، من الشعب المفقّر والمجوّع والعاطل عن العمل، وصولاً الى الأحزاب السياسية التي تُحاول التغيير في سياساتها لتتلاءم مع المزاج الشعبي الجديد؟

أوساط ديبلوماسية عليمة رأت بأنّ السياسات الخاطئة للحكومات السابقة التي حكمت طوال العقود الثلاثة الماضية، فضلاً عن تحكّم بعض دول الخارج بلبنان، أدّى به الى الإنهيار الحاصل اليوم على جميع الصعد. علماً بأنّ جميع الخبراء الإقتصاديين الدوليين يُجمعون على أنّ بلداً مثل لبنان صغير الحجم، وكثير الموارد الطبيعية، ويتمتّع بالطقس الجيّد لا سيما بالشمس طوال العام، فضلاً عن ثروته النفطية الموعودة، لا يُمكن أن يفتقر باستمرار الى الماء والكهرباء، وأن تكون ديونه متراكمة ولا خطط وطنية لتسديدها، بل على العكس يجب أن يُصدّر الى دول الخارج الكهرباء، كما يفعل على صعيد المنتوجات الزراعية الجيّدة النوعية، وأن يُصبح بالتالي بلداً منتجاً ومزدهراً...

ولهذا، فإنّ ما وصل إليه لبنان اليوم، أسبابه كثيرة، على ما أضافت الاوساط، أبرزها الفساد وهدر المال العام، وعدم وضع برامج إقتصادية وتنموية محدّدة، يقوم المعنيون بتنفيذها. وهذه الثغرات هي التي جعلت المبادرة الفرنسية تضع «خارطة طريق» للحكومة اللبنانية وطالبتها بتحقيقها، كما دفعت بصندوق النقد الدولي الى التشديد على إنجاز الإصلاحات الشاملة لحصول لبنان على الأموال اللازمة. غير أنّه في انتظار حصول هذه الإصلاحات المعرقَلة بفعل «تعليق» عمل الحكومة منذ أحداث الطيّونة في 14 تشرين الأول الماضي، وإن كان رئيسها نجيب ميقاتي متفائل بالدعوة الى استئناف الجلسات الوزارية لحكومته بعد عودته من زيارته الى روما حيث يلتقي اليوم الخميس البابا فرنسيس، وبحصول هذا الأمر، يتمّ التعويل على الشعب الذي له «الكلمة الفصل» في بلدٍ لا يزال يتمتّع بالديموقراطية وبحريّة التعبير، رغم كلّ شيء.

وتقول الأوساط نفسها بأنّ دول الخارج تُعوّل على أصوات اللبنانيين غير المقيمين على الأراضي اللبنانية، كونهم يُمثّلون الفئة الأكثر نقمة على الطبقة السياسية الحاكمة منذ ثلاثين سنة وحتى اليوم، وإلّا لما تركوا البلاد الى دول أخرى بحثاً عن فرص العمل ولقمة العيش. كما تجد هذه الدول بأنّ هذه الشريحة هي الأكثر تحرّراً من بعض القيود التي يفرضها عليهم الإقتراع في لبنان، مثل محاولات شراء أصواتهم والرشاوى التي تُدفع من قبل الأحزاب أو بعض اللوائح الإنتخابية، وبرأيها أنّ العدد النهائي من المسجّلين الذين بلغ 244442 وفاجأها على نحو إيجابي، يُمكن أن يُشكّل «بداية تحوّل أو تغيير» في النظام اللبناني، إلّا إذا تلكأ هؤلاء بغالبيتهم يوم الإنتخاب لذرائع عدّة، أو صبّت أصواتهم بالتالي لصالح الأحزاب التي ينتمون اليها، وليس لصالح المرشّحين المستقلّين من المجتمع المدني.

وعن تجربة انتخاب اللبنانيين المغتربين التي حصلت للمرة الأولى في الدورة الماضية، لم تكن مشجّعة لناحية إحداث تغيير ما، سيما وأنّه تسجّل آنذاك 92810 لبنانيين، تمّت الموافقة على طلبات 82965 منهم، فيما لم تُقبل طلبات 9845 مسجّلاً لعدم استيفاء الشروط القانونية، فيما لم ينتخب منهم سوى 46799 أي ما نسبته 56% من عدد الناخبين، و2.5% من إجمالي عدد المقترعين في لبنان، أشارت الأوساط نفسها الى أنّ الظروف لم تعد كما كانت في العام 2018 على الإطلاق. فبعد انتفاضة 17 تشرين الأول من العام 2019، أصبح الشعب اللبناني يعبّر عن رأيه بالطبقة السياسية الحاكمة بحريّة أكبر، من وجهة نظر دول الخارج، ولهذا ثار عليها وطالب بإسقاطها وفق مقولة «كلّن يعني كلّن»، واليوم تنتظر هذه الدول التي دعمته، ودعمت انتفاضته أن يُترجم أقواله أفعالاً في صناديق الإقتراع. لفألف ألفألف

فإذا كان التعويل على لبنانيي الخارج، على ما عقّبت الاوساط، إلّا أنّ هذا لا يعني بأنّ اللبنانيين الصامدين في الداخل، راضون عن الطبقة الحاكمة، غير أنّ ظروفهم لا تسمح لهم بمغادرة البلاد، أو اللجوء الى الهجرة للتعبير عن نقمتهم هذه. ولهذا تعتقد الاوساط بأنّه على الناخبين المقيمين أن يتضامنوا أيضاً مع ناخبي الخارج بهدف إحداث «كتلة نيابية تغييرية» من أكثر من 30 نائباً من أصل 128 تكون قادرة على اقتراح القوانين والمشاريع التي تتوافق مع طموحات الشعب.

غير أنّ توزّع اللبنانيين في سائر دول الخارج على الطوائف والأحزاب نفسها القائمة في الداخل، يجعل إمكانية التنافس على الأحجام والكتل النيابية، تحدّ من نسبة التغيير المطلوب. فصحيح بأنّ المنظمات غير الحكومية كانت الأكثر نشاطاً في كلّ من فرنسا وألمانيا وكندا وأوستراليا وأميركا والدول العربية من الماكينات الحزبية، لتشجيع اللبنانيين على التسجيل للمشاركة في الإنتخابات النيابية المقبلة في ربيع العام 2022، غير أنّ الأحزاب موجودة في هذه الدول، ولديها مناصريها الذين قد يدفعهم «شدّ العصب الإنتخابي» الى الإدلاء بأصواتهم لصالحها رغم مغادرتهم للبلاد بفعل سياسيات جميع القوى والمسؤولين السياسيين.

أمّا انتخاب المغتربين لستّ مقاعد مخصّصة لهم في القانون الإنتخابي الساري المفعول رقم 44 الصادر في العام 2017، والذي جرى تعديله أخيراً، ولا يزال ينتظر أن يبتّ المجلس الدستوري بالطعن بالتعديلات الذي قدّمه «التيّار الوطني الحرّ»، فترى الأوساط أنّ المشكلة تكمن في صعوبة تصنيف القارّات بحسب الطوائف الستّ الأساسية في لبنان. فرغم هجرة المسيحيين، على سبيل المثال، الى الدول الأوروبية بشكل أساسي، أو هجرة المسلمين الى الدول الافريقية أو العربية، غير أنّه لا يُمكن الجزم بأنّ هذه الدول أو تلك تضمّ لبنانيين من طائفة معيّنة واحدة. ففي كلّ دول العالم يعمل ويقيم لبنانيون من جميع الطوائف، الأمر الذي عرقل مسألة انتخاب اللبنانيين غير المقيمين لستّ نوّاب يمثّلونهم في المجلس النيابي بحسب الطوائف، يُضافون الى الـ 128 مقعداً. فانتخاب مرشّح واحد من طائفة معيّنة عن كلّ قارّة، يحرم الناخبين من الطوائف الأخرى من أن يكونوا ممثّلين فيها، ولهذا لم يتمّ اعتماد هذا التعديل من قبل المجلس النيابي، إذ وجد أنّ الأمر سيثير بعض الحساسيّات.

وتخشى الأوساط الديبلوماسية عينها أن يجري منذ اليوم وحتى موعد الإنتخابات في الدول الأجنبية والعربية، كما في الداخل اللبناني، تفجير الشارع من قبل بعض الأحزاب لكي تنال كلّ منها عطف الشريحة المؤيّدة لها، والتي كانت بدأت تبدّل موقفها بفعل ما وصلت اليه من تجويع وتفقير وبطالة وذلّ لتأمين الإحتياجات اليومية والحياتية من محروقات، وغذاء ودواء وغير ذلك. علماً بأنّ المعركة الإنتخابية الحقيقية ستجري في الدوائر المسيحية، انطلاقاً من أنّ الكتلة الأكثر حجماً يُمكن أن يخرج منها إسم رئيس الجمهورية المقبل.  

الأكثر قراءة

للرؤوس الساخنة في ايران