اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم تَعُد مقوّمات الحياة اليومية متاحة في لبنان، ولو في أدنى حدودها، فالمشاكل اللامتناهية تُحاصِر اللبناني من كلّ حدب وصوب، في نهاراتهه ولياليه وفي إستراحاته وتحدياته وتجعله أشبه ما يكون في سجن مظلم، يعمل بالسخرة أو في الأشغال الشاقة لتتحول طريقه إلى ما يشبه جهنم مع غياب فرص النجاة.

وأكثر ما يحبس أنفاس اللبناني هو تلاشي الأمل والحلول الجذرية وسط تفاقم الأزمة الإقتصادية بكلّ أبعادها... لا دواء، لا مستشفيات، لا بنزين، لا مازوت لتسيير البنى التحتية، لا كهرباء، لا ماء، وأحياناً لا خبز وربما لا تعليم.

هذه المأساة اليومية التي يشهدها اللبناني ترجمتْها معدلات البطالة المقلقة والفقر والعوز والهجرة وبيع الممتلكات ومَظاهر الجوع والفوضى والتشنج الطائفي والسلاح والتهديدات الأمنية والقضائية... ولعل الأكثر خطورة هي موجات الهجرة الجماعية.

اليوم، يشهد لبنان موجة هجرة لا مثيل لها، تأتي كواحدة من تداعيات الأزمة الاقتصادية الأسوأ في تاريخه، والأعقد عالمياً، وفق ما يؤكد البنك الدولي في تقارير الأخيرة.

انعكست هذه الموجة بالأرقام والنسب على مختلف المؤسسات والطاعات اللبنانية، وتظهر علناً على شكل طوابير انتظار طويلة لآلاف المواطنين، يتنقلون بين مراكز الحصول على جوازات سفر، وأماكن تخليص الأوراق والمعاملات، كذلك الأمر أمام السفارات التي باتت المواعيد في بعضها مؤجلة إلى العام 2022 بسبب حجم الطلبات، وصولاً إلى المطار الذي يغص بالمغادرين يومياً.

حول هذه الظاهرة، أعد "مرصد الأزمة" التابع للجامعة الأميركية في بيروت، تقريراً يرصد ما وصفه بـ "موجة الهجرة الثالثة"، لافتاً إلى أن البلاد دخلت هذه الموجة (Exodus) بالفعل، حيث تشهد منذ أشهر ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الهجرة والساعين إليها، ومحذراً من عواقبها طويلة الأمد على مصير لبنان.

وتزداد الأزمة الاقتصادية سوءاً لتنعكس على كافة جوانب الحياة، ومعها انهيار كبير لقيمة الرواتب بالعملة المحلية الليرة اللبنانية، حيث بات سعر صرف الدولار الواحد يساوي حوالى 25 ألف ليرة لبنانية، في حين أن الحدّ الأدنى للأجور بات يناهز 30 دولارا في الشهر، مقابل ارتفاع كبير في أسعار السلع والمواد الغذائية الذي تجاوز الـ600 في المئة.

وتعيش البلاد آثارا هامشية لهذه الأزمة، تتمثل بأزمة انقطاع للمحروقات والسلع الرئيسية في البلاد، مثل الأدوية وحليب الأطفال والمستلزمات الطبية، ومعها تتوقف معظم القطاعات عن العمل تدريجياً بسبب صعوبة تأمين حاجاتها وغلاء أسعارها لكون معظم حاجات لبنان يتم استيرادها من الخارج بالعملات الصعبة، وهو ما ينعكس انخفاضاً في الاستهلاك وكساداً في الأسواق، وارتفاعاً في نسب البطالة التي تجاوزت عتبة الـ40 في المئة، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، فيما تجاوز معدل الفقر نصف السكان.

يعرض المرصد ثلاثة مؤشرات مقلقة في لبنان، فيما يتعلق بدخوله موجة هجرة جماعية من المتوقع أن تمتد لسنوات: "أولًا: ارتفاع فرص الهجرة عند الشباب اللبناني، حيث أشار 77 في المئة منهم إلى تفكيرهم بالهجرة والسعي إليها، وهذه النسبة هي الأعلى بين كل البلدان العربية، بحسب تقرير "استطلاع رأي الشباب العربي" الصادر العام الماضي.

ويلفت التقرير إلى أن "السعي للهجرة عند الأكثرية الساحقة من الشباب اللبناني نتيجة طبيعية لانحسار فرص العمل الكريم، حيث يُقدر البنك الدولي أن شخصاً من كل خمسة فقد وظيفته منذ خريف 2019، وأن 61 في المئة من الشركات في لبنان قلصت موظفيها الثابتين بمعدل 43 في المئة.

المهنيين الذين يقدمون الخدمات الأساسية مثل الأطباء والممرضات والمهندسين ، وكذلك الأكاديميين ورجال الأعمال ، هم أول من هاجر لبنان بحسب تقييم صدر في شهر كانون ادأول 2020. وقد حذر البنك الدولي من أنّ هجرة الأدمغة قد تتفاقم مع حلول 2022 لا سيما بعد أنّ أصبحت خيارًا يائسًا للشباب اللبناني المنتج حيث تعتبر الأزمة الإقتصادية فيه من الأكثر خطورة في العالم.

وقد أشار البنك الدولي في شهر حزيران إلى أنّ "التدهور الحادّ في الخدمات الأساسية سيكون له تداعيات طويلة المدى على المجتمع اللبناني"، بما في ذلك الهجرة الجماعية. "سيكون من الصعب للغاية إصلاح الضرر الدائم الذي يلحق بالموارد البشرية اللبنانية. ولعلّ هذا البعد للأزمة اللبنانية يجعل الحلقة اللبنانية أشد خطورة مقارنةً بأزمات عالمية أخرى".

الغضب أولاً، ثم اليأس، ثم الهروب: هذه هي حال الشباب اللبناني. على مدى العامين الماضيين، عايش الشباب اللبناني انحدار اقتصاد بلادهم بدون توقف وانفجاراً في مرفأ بيروت أودى بحياة أبرياء وكشف كذلك عن عدم الكفاءة والإهمال الإجرامي للبعض. هاجر الكثيرون، هاجر الشباب، أولئك الذين استطاعوا الحصول على وظائف في الخارج أو منحة تعليمية. أما الآخرون فينتظرون فرصتهم.

أصبحت مستويات اليأس مرتفعة للغاية لدى اللبناني لدرجة أنّ 77٪ من الشباب اللبناني يرغبون في الهجرة، بحسب الاستطلاعات. في الواقع ، في العالم العربي ، يأتي الشباب اللبناني على رأس قائمة أولئك الذين يرغبون في الهروب من بلدهم ، متقدمين على 54 ٪ من سكان سوريا المنكوبة بالحرب و 58 ٪ من الشباب الفلسطينيين الذين يعيشون في اسرائيل.

وبحسب بعض التقديرات، غادر 20٪ من الأطباء اللبنانيين، ولا يزال الكثير يخططون للمغادرة، منذ الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت البلاد في عام 2019. كما أغلقت مئات الصيدليات أبوابها، ما جعل الصيادلة عاطلين عن العمل، فضلاً عن هجرة الممرضات والممرضين ولا سيماً إلى دول الخليج العربي.

ارتفعت الرسوم المدرسية والجامعية بشكل كبير في حين انكمش الاقتصاد بنسبة 20 ٪ في عام 2020 وفقًا لتقديرات البنك الدولي.

ويشير التقرير إلى أن الفوارق الكبيرة والمستمرة في الرواتب في جميع أنحاء العالم تمثل الدافع الرئيسي لهجرة اللبناني إلى بلدان مرتفعة الدخل. 

الأكثر قراءة

مسيرات حزب الله تُرعب «إسرائيل»: عملية دقيقة وتطور كبير هل باع لبنان نفطه تحت تأثير ضغط العقوبات الدولية على سياسييه؟ غياب إيرادات خزينة الدولة تجعلها تقترض بشكل مُنتظم من مصرف لبنان