اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في صلب الانهيار الذي يشهده لبنان, هناك جدل بين اطراف تؤيد التفاوض مع صندوق النقد الدولي وتعتبر ان هذا يضع لبنان على خارطة التعافي من ازمته ويكسبه من جديد ثقة العالم به . في المقابل, يرى البعض ان قبول لبنان بشروط صندوق النقد الدولي سيحسن بعض الشيء الوضع ولكن في المستقبل القريب والبعيد سيكون لبنان قد جلب "الدب الى كرمه" لان الدولة ستقع في شباك صندوق النقد الذي له تداعيات سلبية ايضا.

بداية, الاطراف اللبنانية التي تدعم التفاوض مع صندوق النقد الايجابي ترتكز ان هذا المسار سيحسن الفشل المالي الذي مني به لبنان نتيجة سوء ادارة للمال العام حيث ان صندوق النقد ينطلق من معيار منهجي وقانوني وبالتالي سيتم صرف النفقات والموازانات لمرافق الدولة بالطرق السليمة والصحيحة. اضف الى ذلك, ان صندوق النقد الدولي يدعو الى ارساء آلية لشبكات حماية اجتماعية عبر حصول الفرد على مستوى دخل جيد ويخفف من الفوارق الاجتماعية في النسيج اللبناني الى جانب ارساء ضمان اجتماعي يحسن الظروف المعيشية للعائلات اللبنانية. ذلك ان وضع شبكات حماية اجتماعية سيقلل من اضرار التعثر المالي على الافراد ويجعلهم اكثر مناعة على مواجه التقلبات المالية والاقتصادية التي تحدث.

اما عن شرط صندوق النقد الدولي الى توحيد سعر صرف الدولار وتحريره في الاسواق, فقد كان هذا الشرط في بدء الازمة المالية في لبنان يخيف المصارف اللبنانية ومصرف لبنان والحكومة ولكن اليوم تبدلت الظروف واصبح هناك عدة تسعيرات للدولار الى جانب ان الليرة اللبنانية فقدت من قيمتها 90% وعليه لم يعد هناك من داعي للخوف لتفلت سعر الصرف اذا حرر في الاسواق كما دعا صندوق النقد لان حصل ما هو اسوء مما كان متوقع والدليل ان الدولار يحلق عاليا دون اي قدرة من قبل اي جهة على لجمه.

في هذا السياق, اعتبر الخبير الاقتصادي سامي نادر للديار ان القلق والخوف من التعامل مع صندوق النقد الدولي لم يعد ينطلي اليوم لان صندوق النقد طور مقاربته للازمات الاقتصادية والمالية التي تمر بها الدول واصبح يأخذ في الحسبان وقع السياسات الاقتصادي والاجتماعي على الدول. والحال ان الخوف من صندوق النقد كان مبررا سابقا لانه لم يكن يعير اي اهتمام او اعتبار للتداعيات التي سيتحملها الناس في الدول المتعثرة ماليا واقتصاديا اما الان فهذا الامر تبدل وخير دليل على ذلك ان صندوق النقد الدولي قدم مساعدات مالية كبيرة لمعالجة وباء كوفيد19 ولبنان حصل على مبلغ مالي جيد لمواجهة هذه الجائحة. ومن بين التغييرات التي تظهر ان صندوق النقد اعتمد سياسة مختلفة عن السابق هو دعمه وتمويله لشبكات الحماية الاجتماعية. على سبيل المثال, يمول الصندوق الطبقة الاكثر فقرا مباشرة عبر شبكة حماية اجتماعية يوفر لهم قسيمة تعليم(educational voucher) وعليه لا يحرم الاكثر فقرا من التعليم والتربية. وايضا يقدم صندوق النقد قسيمة طعام (Food voucher) بحيث تؤمن الاحتياجات الاساسية للفئة من الناس الاكثر فقرا الى جانب قسيمة تنقل (Transportation voucher) لتكتمل شبكة الحماية الاجتماعية والذي يمولها الصندوق. وهنا شدد الخبير سامي نادر ان لبنان بامس الحاجة الى شبكات حماية اجتماعية بعدما ارتفعت نسبة الفقر بشكل كبير بين اللبنانيين وباتوا يعيشون في بؤس وعوز.

اما الاهم بالنسبة للخبير الاقتصادي سامي نادر في التفاوض مع صندوق النقد الدولي هو الزام الدولة بتطبيق اصلاحات اساسية وضرورية خاصة ان الفساد مستشري في لبنان والدولة اظهرت عن عجزها وتواطئها احيانا في وقف الهدر والسرقة في حين ان البلاد بحاجة الى طرف ثالث وهو الصندوق يشرف ويراقب على مجرى تنفيذ الاصلاحات مقابل المساعدات المالية التي سيمنحها لاي حكومة لبنانية.

وحول اعادة هيكلة القطاع العام, رأى نادر ان هذه الخطوة ضرورية لان 40% من الشعب اللبناني يتقاضى رواتبه من الدولة ووجود 400000 الف موظف في مؤسسات القطاع العام يرهقها اضافة الى دفع فؤائد الدين العام والضرائب في حين ان هذه المؤسسات بالكاد تحتمل 100000 الف موظف. وردا على سؤال ان تخفيف عدد الموظفين من القطاع العام سيزيد من نسبة البطالة , اوضح سامي نادر ان الاموال ستذهب الى اقتصاد منتج والى القطاع الخاص الذي سيخلق فرص عمل كثيرة للبنانيين.

وتحدث الخبير الاقتصادي سامي نادر ان صندوق النقد الدولي يريد توحيد سعر صرف الدولار باتجاه تحريره تدريجيا لان دعم سعر الصرف كان يحصل من اموال المودعين واليوم يواجه المودع اللبناني ازمة كبيرة في استحصاله على امواله من المصارف اللبنانية بسبب الازمة المالية المستعصية.

من جهة اخرى, هناك اطراف لبنانية في السلطة ترفض التعاطي مع صندوق النقد الدولي وتعتبره انه ينتهك سيادة الدول وما هو الا "حصان طروادة اميركي" يدخل الى البلدان المتعثرة ماليا ليهمن عليها بسياسات اقتصادية طويلة الاجل. وترى هذه الاطراف ان شروط صندوق الدولي للبنان قاسية جدا خاصة ان الدولة مثقلة بالديون ونسبة الفقر ارتفعت كثيرا في حين ان سياسة الصندوق تقضي على الطبقة الوسطى والفقيرة وتصب في مصلحة الاثرياء واصحاب رؤوس الاموال. وعلى صعيد اعادة بناء البنية التحتية من قبل صندوق النقد الدولي, تعتبر هذه الاطراف ان الصندوق يعتمد سياسات تصحيحية كشعارات ولكن على ارض الواقع تنعكس هذه السياسات بشكل سلبي على الدولة وعلى الشعب حيث ان فاتورة تسديد القرض مقابل هذه السياسات عالية جدا ما يجعل الدولة تتعثر في دفع دينها وعليه يصبح الصندوق الدولي مسيطرا على مرافق الدولة برمتها. اضف الى ذلك, الزيادة الضريبية على القيمة المضافة هو شرط اساسي لصندوق النقد الدولي وهذا شرط ينهك الدولة اللبنانية ولكن من سيعاني بشكل مرير هو المواطن الذي ينتمي الى الطبقة الوسطى والفقيرة.

من هنا, اصحاب نظرية عدم التفاوض مع صندوق النقد الدولي يرتكزون على ان القرض الذي سيحصل عليه لبنان منه سيجعل يعاني اكثر فاكثر من الازمة المالية وان سجلت بعض المؤشرات الاقتصادية تقدما ايجابيا. وهؤلاء يختارون خطة التعافي الاقتصادي والمالي من خلال اعتماد نظام التحويل والتشغيل والبناء (B.O.T) للنهوض من الازمة التي يمر بها لبنان. وهذا النظام يقوم على ابرام اتفاق بين مستثمر من القطاع الخاص والحكومة لتطوير البنية التحتية . في حالة لبنان, هناك عروض كثيرة قدمت من قبل شركات المانية وروسية وصينية لترميم البنية التحتية اللبنانية وابرزها ترميم المرفأ وصيانة محطات الكهرباء الى جانب انشاء محطات جديدة لتوليد الطاقة دون ان تتكلف الحكومة اللبنانية بالمبالغ المالية المتوجبة لهذه المشاريع . وبالنسبة للاطراف اللبنانية التي تختار نظام B.O.T ان هذا هو المسار الصحيح للنهوض من القعر ولمعالجة الازمة المالية والاقتصادية ولتطوير البنية التحتية المترهلة. والحال انها تشجع الحكومة اللبنانية باعطاء التراخيص للشركات التي تقدم عرض اعادة تأهيل مؤسسة الكهرباء و اعادة اعمار المرفأ الى جانب مشاريع مهمة تخلق فرص عمل وتحد من نسبة البطالة.

اما الواقع, فهو ان لبنان يعيش مرحلة شلل حكومي فهو غير قادر حاليا على الانطلاق في تطبيق خطة التعافي الاقتصادي سواء مع صندوق النقد الدولي ام عبر نظام B.O.T لفرملة الانهيار وتخفيف من حدته على المواطن المسكين الذي يتحمل وحده ثمن الافلاس وغلاء المعيشة والتدهور المخيف على صعيد كل مؤسسات الدولة. والسؤال الذي يطرح نفسه: متى تقرر الدولة اللبنانية وقف الانهيار ؟

الأكثر قراءة

عيد إنتقال السيّدة العذراء... يوم وطني جامع لكلّ اللبنانيين رسالة ميدانيّة قويّة من المقاومة الى العدو الإسرائيلي : إحذروا المغامرة! الواقع المعيشي للبنانيين يعيش على وتيرة دولار السوق السوداء