اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

 ذاك البدوي الرائع الذي خلع منذ عقود ثوب البداوة، وثقافة البداوة، وظل، في لندن، عاشقاً للرباب، اتصل بي ليقول، تعقيباً على احدى مقالاتي، «يا صاحبي، دولنا لا تزال تساق مثلما تساق النوق». حين سألته وكيف تساق شعوبنا أجاب «أخشى ألاّ تستطيع أن تكتب أننا نساق مثل القردة. أكتفي بالقول اننا لا نساق كمخلوقات بشرية...».

أشار عليّ بأن أتابع ما يكتب في الغرب حول «فلسفة ما بعد الحقيقة». لاحظ «أن أولياء أمرنا هم أول من ابتدعوا هذه الفلسفة لتضليلنا، والا لما كنا بقينا، هكذا، أكياساً بشرية مكدسة على قارعة القرن».

الواقع أن «معجم أكسفورد» اختار، عام 2016، أن يكون مصطلح Post _ truth» كلمة العام»، وهو تقليد درج عليه المعجم في انتقاء الكلمة الأكثر تأثيراً، والأكثر رواجاً، في العام .

في العام نفسه، وبصدفة مثيرة، اختار «المعجم اللغوي الألماني» كلمة Postfakish بالمعنى ذاته. بعض الباحثين وصفوا الكلمة بـ «الأرويلية» نسبة الى جورج أورويل، في روايته الشهيرة «1984» التي تعرض لعالم استغرقته حالة ما بعد الحقيقة من خلال «هندسة الرأي العام». البرازيلي باولو فرير وصف الحالة بـ «احدى أدوات القهر»، و «حيث يتم تدجين الجماهير مثلما يتم تدجين الأرانب أو الثيران»!

في ظل تلك الأنظمة الرثة، ألا نبدو، كلبنانيين، ضحايا التلاعب الغرائزي بأعصاب الناس، وباحاسيس الناس؟ بعض الوزراء الذين هبطوا للتو من المريخ، أو هبطوا من المدخنة، تلامذة تلك الحالة، بتخيلاتهم، حين يوحون لنا بأنهم سينقلوننا على ظهورهم، وفي غضون أيام، من جمهورية جهنم الى الجمهورية الفاضلة. العكس تماماً ما يحصل.

التلاعب بالجماهير لا يقتصر على البلدان التي تحكمها ديكتاتوريات عسكرية، أو قبلية، أو ثيوقراطية. الاستاذ في هارفارد ديفيد جاكسون يرى أن المجتمع الأميركي من أكثر المجتمعات تفاعلاً مع عمليات غسل الأدمغة.

أخذ المثال مما فعله دونالد ترامب حين قدم نفسه «المسيح الأبيض» الذي ينقذ بني قومه من «البربريات التي تتنامى كما الطحالب داخل مجتمعنا»، بحسب تعبير ستيف بانون. فوهرر آخر في البيت الأبيض.

ماذا عن لبنان؟ ميكانيكية التماهي بين الرعايا وشيوخ الطوائف في ذروتها. الولاء لهؤلاء قد يكون أكثر رسوخاً من الولاء للأنبياء. «بالدم، بالروح، نفديك يا...». صيحة بدائية وتعكس مدى التواطؤ، أو مدى الشراكة، في الفساد. النتيجة أن لبنان يعاني من الاعتلال السوسيولوجي أكثر بكثير مما يعاني من الاعتلال الاقتصادي.

لا مجال البتة لاجتثاث الفساد، وقد تحول الى فلسفة (وأسلوب) حياة، كما لو أن توماس هوبز حين أطلق مقولته الفلسفية «الجميع ذئاب الجميع» انما كان يتحدث عن الحالة اللبنانية. حتى في العلاقة بين القوى الطائفية، والقوى السياسية، الجميع يكذبون على الجميع. ما تقوله الأقنعة لا ما تقوله الوجوه.

لا حل سوى الأخذ بما يقوله اساقفة الغيب (اذا شئتم أساقفة العدم) الذين يتركون كل شيء ليوم القيامة، وان كانت آخر «المعلومات» تقول ان الله ضاق ذرعاً بنا، وصرف النظر عن قيام الساعة...

ماذا عساه صندوق النقد الدولي أن يفعل، وهو الذي يعلم الى اي مدى وصلت الشراكة «العضوية» في الفساد بين الحكام والرعايا. سبق وأشرنا الى ما قاله لنا خبير في الصندوق من أنهم لم يتركوا حتى ثقباً لفأرة خالياً من أيديهم القذرة!

هذا ما حمل باحثاً بارزاً في سوسولوجيا الاقتصاد (جاك آتالي) على التساؤل ما اذا كان لبنان قد أصبح «فردوس الفساد».

بعيون قطاع الطرق، لا بعيون رجال الدولة، ننتظر قروض صندوق النقد الدولي، وبالعيون اياها نسأل ماذا سييصينا حين يظهر النفط والغاز عندنا، لو طرحنا السؤال على ذلك البدوي اللندني لأجاب «ما يصيب النوق» .

تائهون في الأزمنة، وبين الاساطيل. هكذا حال العرب. ألم يصف عبدالله العروي حالنا بحال من يضع قدماً في قبر قايين وقدماً أخرى في قبر هابيل؟ 

الأكثر قراءة

ما هي حقيقة خطوبة ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبد الله الثاني