اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لا الرياض مُهتمة ولا طهران معنيّة : لبنان خارج جدول الاعمال

الحوار «مضيعة للوقت» ولا تسويات جدية قبل الخريف المقبل


تدرك كل الاطراف اللبنانية انها خارج نطاق الخدمة في الوقت الراهن، لانها ببساطة ليست على جدول اعمال احد، سواء الدول الاقليمية او القوى الدولية، لبنان لم يعد ذات اهمية استراتيجية لاحد، ولن يكون، طالما ان جبهة الجنوب هادئة وقواعد الاشتباك بين حزب الله و»اسرائيل» محترمة من قبل الطرفين، هذا ما ابلغه ديبلوماسي غربي لاحد كبار المسؤولين اللبنانيين الذي حاول استمزاج رأيه حيال الحوار الوطني الذي يحاول رئيس الجمهورية ميشال عون عقده في قصر بعبدا على بعد اشهر من نهاية ولايته. ولم تتوان تلك المصادر على التأكيد بانه «مضيعة للوقت» ومجرّد ملء للفراغ الخارجي الذي يتحكم بمسألتين اثنين من بنود الحوار: الاولى الاستراتيجية الدفاعية التي لا يمكن فصلها عن التطورات في المنطقة والعالم، وخطة التعافي الاقتصادي المرتبطة بشكل مباشر بنوايا الخارج في مساعدة لبنان على الخروج من ازمته، وهو امر غير متاح اقله في المدى المنظور قبل الاستحقاقين النيابي والرئاسي.

اما التفاهم على تطوير نظام اللامركزية الادارية والمالية فيحتاج اولا واخيرا الى ثقة داخلية مفقودة بين القوى السياسية الرئيسية وبينها وبين رئيس الجمهورية وفريقه السياسي، ولن يصل الحوار في هذا البند الى اي نتيجة بل سيكون حوار «طرشان» في الوقت الضائع.

وللدلالة على فقدان الثقة بين رجلين اساسيين في المعادلة الداخلية رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، ينقل مصدر نيابي عن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي تاكيده انه يعاني بشدة في محاولاته المتكررة «لرأب الصدع» بينهما، ولكن دون اي جدوى، حتى وصلت به الامور الى «فبركة» خبريات واختراع «نيات» غير موجودة، وهو يروي قصة جمع الرئيسين في سيارة الرئاسة الاولى بعد الاحتفال بعيد الاستقلال، حيث عمل على الايحاء لهما بان كل منهما لا يمانع لقاء الآخر «لكسر الجليد»، وقد اقترح ميقاتي بنفسه ان يحصل اللقاء الثلاثي في السيارة، الا انه فوجىء خلال مدة الرحلة القصيرة نسبيا، ان كلا من عون وبري لم يتكلما سويا، بل عمدا الى النظر كل من جهته خارج السيارة، وحتى عندما حاول تلطيف الاجواء «بخبريات» تصل الى حد «التنكيت» لم يتجاوبا، واصرا على الابقاء على الوجوم بينهما، وهكذا انتهى كل شيء دون حصول تقدم. وهو امر تكرر مؤخرا عندما تطوّع ميقاتي من بعبدا للاتصال ببري وجمعه على الهاتف مع الرئيس عون على امل انتهاء «الجفاء» وحل مسألة عدم انعقاد الحكومة من «بوابة» الموازنة، ومع ان الرجلين اوحيا بالايجابية، الا انه لم يتغير شيء على ارض الواقع، بل «الانكى» من ذلك، عمل وزير المال، المحسوب على بري، لتسريب فحوى التواصل مع رئيس الحكومة قبيل صعود الاخير الى بعبدا، واشار الى انه ابلغه بان الموازنة غير جاهزة اصلا وتحتاج لمزيد من الوقت الذي قد يطول بسبب ارتفاع سعر الدولار، وقد فهم ميقاتي حينها ان تدخله «غير مرغوب» به، وانه لا يوجد «امل».!

ولهذا ينشغل رئيس الحكومة الآن بمتابعة موقفي واشنطن وباريس من حكومته، بعدما اقفل السعوديون «الابواب» في وجهه، ولم يمنحوه اي موقف تقديري على الرغم من بيانه العالي البنبرة اتجاه مواقف الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الاخيرة، وهو لم يكن ليبقى على رأس الحكومة حتى الآن، لولا تدخل باريس وواشنطن، لكن لهذه التغطية اثمان، وهو بات برأي اوساط مطلعة، حارسا امينا لبعض المصالح السياسية والاقتصادية ذات الصلة بالداخل والخارج، وفي مقدمتها ملف الترسيم البحري، وملف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ومع تراجع الفرنسيين عن التدخل اليومي، لبدء الانشغال بالانتخابات الرئاسية في الربيع المقبل، تبقى السفارة الاميركية الاكثر نشاطا على الصعيد الداخلي، ولهذا تدخل رئيس الحكومة «بقوة» خلال الساعات القليلة الماضية لوقف اندفاعة القضاء اللبناني في ملف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وجاء نفيه خلال حفل إطلاق «التقرير المحدث لواقع البيئة في لبنان» بالامس، بمثابة اقرار بالتدخل، حين شدد على انه لم يكن يتدخل «للدفاع عن أشخاص بل الحفاظ على المؤسسات، واتباع الأصول في التعاطي مع أيّ مسألة تتعلق بأيّ أمر قضائي»!

هذا الانسداد الداخلي، وتقزيم مهام رئيس الحكومة وتحوّله الى «شيخ صلح» بين الرئاستين الاولى والثانية، وحارسا امينا لمنظومة محمية من قوى محلية وخارجية، ليس الا انعكاسا لتهميش الملف اللبناني عن جدول الاعمال الايراني - السعودي، ما انعكس رفعا في وتيرة الصراع بين الرياض وحزب الله في وقت تسير محادثات فيينا على نحو ايجابي وان ببطء، فافتتح الملك سلمان بن عبد العزيز الموجة الجديدة من المواجهة الاعلامية في خطابه السنوي امام مجلس الشورى ووصف الحزب بـ «الإرهابي»، فرد عليه السيد نصر الله  بخطاب «ناري» في وقت يجري التحضير للقاء سعودي - إيراني خامس مرتقب في العراق... وفي مقابل اطلاق تجمع «مشبوه» لتحرير لبنان من الاحتلال الايراني، استضاف حزب الله مؤتمرا للمعارضة في الجزيرة العربية في ذكرى استشهاد الشيخ نمر النمر. 

هذا التصعيد الممنهج، غير مستغرب بحسب مصادر ديبلوماسية، لانه انعكاس مباشر لعدم ادراج الملف اللبناني على جدول اعمال المفاوضات الايرانية - السعودية، فطهران لا ترغب في البحث بملف يبقى مسؤولية حزب الله، فيما لم تبد الممكلة اي اهتمام بالبحث بالازمة اللبنانية، ولم تقارب موضوع حزب الله الا من زاوية دوره المفترض في اليمن، وهذا يعني ان البلاد متروكة لمــصيرها المزري ماليا، واقتــصاديا، وســياسيا حتى ما بعد الاستحقاقين الانتخابيين في الربيع والخريف المقبلين. واذا كانت السعودية مهتمة بالوصول الى مخرج «مشرف» لورطتها في اليمن، فان طهران لا تبدو معنية بفتح النقاش الجدي حول اي من ملفات المنطقة ومنها لبنان، قبل التوصل الى اتفاق جديد في فيينا سيسمح لها بالعودة بقوة وبتأثير اكبر في اي عملية تفاوض، بعدما تكون استعادت مكانتها في المجتمع الدولي سياسيا، وتحررت اقتصاديا من العقوبات، عندها ستكون الحسابات مختلفة وشروط التفاهمات تميل لمصلحتها. 

وبناء على هذه المعطيات، لا نور في نهاية النفق قريبا، الا اذا حصل تغيير مفاجىء وسريع في الاقليم، وتيرة التصعيد بين مختلف القوى السياسية ستبقى مرتفعة وستتصاعد مع اقتراب الاستحقاق النيابي، ولا تسويات جدية قبل الاستحقاق الرئاسي في الخريف، ولان الجميع يدركون ان احدا غير قادر على الغاء الآخر، يبقى الهدف الرئيسي لمعارك «طواحين الهواء» الفارغة من اي مضمون وطني جدي وحقيقي، هو حجز مكان في «التركيبة» السياسية التي ستتقاسم المصالح بعد انتهاء «فلكلور» الانتخابات، وكل يسعى لحجم يمنحه القدرة على تحصيل حجم اكبر من «الكعكة»، اما القضايا الكبرى المرتبطة بدور لبنان الاستراتيجي في المنطقة، فالمعني به حزب الله حصرا، وهو ملف يبحث بين «الكبار» في الخارج، ولن يكون على «طاولة» البحث الا الحزب، بصفته القوة الوحيدة القادرة على التأثير الاقليمي. 

الأكثر قراءة

الحريري «اخرج» وتياره من الحياة السياسية وبدأ «خلط الاوراق» : «اللعبة اكبر مني»! اصرار سعودي على «ابعاده» وبرودة اميركية ــ فرنسية والفراغ يقلق الحلفاء والخصوم ورقة الاملاءات الخليجية ــ الدولية «ولدت ميتة» وميقاتي يسعى لإحيائها بتدوير «الزوايا»؟