اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

وراء قضبان زنزانات السجون اللّبنانية، يقبع آلاف المساجين بين موقوفين ومحكومين لبنانيين وأجانب.

حال السجون في لبنان حدّث ولا حرج، اكتظاظ غطّى بثقله على هدف التوقيف الأساسي والإحتجاز.

«لكل الاشخاص المحرومين من حريتهم الحق في مستوى معيشي مناسب، بما في  ذلك ما يكفي من الغذاء والماء الصالح للشرب و المسكن و الملبس و الفراش». هذا ما ذكرته المادّة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي المادّة 11 من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية.

أين المستوى المعيشي المناسب في بلد عدد سجونه 24 ؟ البعض من هذه السجون مركزي، وأخرى سجون مناطق مقسّمة حسب الفئتين رجال وإناث، قاصرين وقاصرات، بالإضافة الى 184 نظارة لدى قيادة الدرك، و25 نظارة لدى الشرطة القضائية، ونظارة لدى قيادة شرطة بيروت، ونظارة واحدة مركزية لدى الأمن العام، إضافة لمراكز التوقيف لدى الجيش اللبناني.

مبدئياً، يتّسع السجن لعدد محدد من السجناء عملاً بمعايير بناء السجون التي أعدتها اللجنة المكلفة تحديد معايير بناء السجون في آب 2011، من منطلق التزام لبنان بالمواثيق والشرائع الدولية وإبرامه العديد من الإتفاقيات الدولية. أمّا فعلياً فقد تخطّى عدد المساجين الأرقام المفروضة، فتأخير المحاكمات وتأجيلها أثّر في ارتفاع الأعداد، حتّى باتت السجون في لبنان مكتظّة مع غياب الشروط الصّحية اللّازمة من أكل وشرب ونظافة وطبابة وغيرها...

الطعام على عاتق الأهل!

تلقّت أمّ حسن اتصالاً من أحد المخافر، مكان توقيف ابنها منذ سنة وستة أشهر، وطُلب منها تأمين مأكل ومشرب بشكل عاجل لابنها لأنه يأكل من بقايا طعام غيره من الموقوفين الذين يحصلون على الطعام من الخارج، لأنّ الدّولة «غير قادرة على إطعام المساجين» كما أُفادت...! فيبدو أّنّ هذه حال معظم الموقوفين في لبنان، فعدم تأمين الدولة لحاجاتهم الرئيسية، بما فيها المأكل والمشرب والدواء، بات يظهر الى العلن، فحتّى السجون ونظارات التوقيف باتت متأثّرة بالأزمة الاقتصادية اللّبنانية!

تقول أمّ حسن في حديثها لـ «الدّيار» ان «عجز الدولة بات مكشوفاً، فالأهل يؤمّنون الأكل والشرب والدواء لذويهم، حتى انّ أحد العناصر في المخفر قال لي انّ تأمين أوراق بيضاء وكراسات تحقيق وأقلام حبر وأبسط الحاجات اللوجستية لعمل المخفر بات أيضاً صعبا وضئيلاً».

وتضيف:»أنا أعرف جيّداّ أنّ ابني قام بجنحة ضدّ القانون، وهو في لحظة ما خرج عن القانون وأنّ العقاب المدني واجب، لكن ليس العذاب...! أبناؤنا يتعذّبون جسدياً ومعنوياً، السجن للتصحيح وليس للتعذيب، وللأسف هذه هي الحال في لبنان».

وعن رسالتها ومطالبها للدّولة وللمعنيين تقول: «رسالتي باسم كافّة أهالي الموقوفين والمحكومين، وكلّ من يندرج اسمه في خانة المساجين، رسالتي لفخامة رئيس الجمهورية العمل على الإسراع في المحاكمات وصدور الأحكام أوّلاً، ثانياً نطلب النظر بالوضع العام في السجون، في النظافة، في الأكل والماء وكافّة العناصر البديهية التي يجب أن تتأمّن، كما أطالب العمل بجدّية لتحويل السجون من مكان تعذيب وقصاص الى مركز لإعادة التأهيل والإصلاح كي يخرج المذنب من السجن مُصحّحاً نفسياً، وإلّا فبعد الإفراج ستعاد الكرّة لأنّ «الزربة ما بتعلّم» بل تؤدّي الى الإنتقام!»

في سياق متصل، رصد المحامي ن. ه. ظاهرة التواصل مع الأهل لطلب تأمين الطعام لأولادهم الموقوفين، وشرح في اتصال مع «الدّيار» قائلاً: «لا شكّ في أنّ الوضع كان أفضل خاصّة في مراكز التوقيف التابعة للجيش اللبناني، وكان السجين الموقوف لدى الجيش يأكل من الطعام المخصص للعسكريين ومن مطابخ الجيش، بعكس قوى الأمن الداخلي الذين يحصلون على مبلغ مالي ضمن رواتبهم كـ»بدل طعام» دون أن يتم تخصيص وجبات أو مطابخ لهم، أمّا اليوم، فبات الوضع أسوأ، فإنّ مسؤولية الطعام تقع على عاتق الأهالي، بينما كانت مراكز الجيش ترفض إدخال أدوية للموقوفين والسجناء بسبب توافر كل المستلزمات والأدوية لدى الطبابة العسكرية، فقد باتت اليوم تطلب أيضاً من الأهل تأمين هذه الأدوية في ظل انقطاعها من الأسواق وارتفاع أسعارها وصعوبة تأمينها، فالأزمة في البلاد أثّرت سلبياً في كافّة القطاعات وخاصّة السجون، حيث باتت العناصر الأمنية كما المساجين بحاجة لأبرز المستلزمات الأساسية»!

وفي متابعة لملف الغذاء أكّدت مصادر قوى الأمن الداخلي​ لـ «الدّيار»، أنّ الدولة لم ترصد ميزانية للنظارات وحاجات الموقوفين فيها على شتّى أنواعها، لأنّ ليس من مسؤولية قوى الأمن أو الدولة تأمين الطعام ومتطلبات الموقوفين في النظارات بما أنّها مركز للتوقيف الإحتياطي من 24 الى 48 ساعة ليتمّ نقل الموقوف خلالها الى أحد السجون للمتابعة أو الإفراج عنه، وعادة الأهالي يؤمّنون احتياجات الموقوف من مأكل ومشرب وملبس.

وعن إطالة فترة التوقيف تقول المصادر: «منذ أن بدأت مدة التوقيفات تطول في النظارات بدأ البحث عن مصادر للتموين وتأمين طعام في بعضها، كما تجدر الإشارة الى أنّ بعض النظارات تغطيها مطابخ السجون، ولها مصدر طعام، وهناك نظارات أخرى غير مشمولة تعمل قوى الأمن على تأمين مصدر الطعام لها بقدر المستطاع».

وتؤكّد المصادر «أنه من البديهي أن تتواصل المخافر مع أهالي الموقوفين من أجل تأمين الطعام لأبنائهم ، فالأهل هم المسؤولون عن ولدهم ما دام موقوفا في النظارة ولم تتم محاكمته أو تحويله إلى السجن».

وتؤكّد بعض الجهات أنّ الطعام يصل إلى نظارات التوقيف ضمن نطاق بيروت، إنّما النّوعية اختلفت والكمية انخفضت بسبب الأزمة الإقتصادية التي يمرّ بها لبنان.

إكتظاظ الأعداد سمّ قاتل!

أمّا بالنسبة لاكتظاظ السجون ونظارات التوقيف، فملفّ مكتمل يُفتح بتفاصيله، فبعد أن كانت النظارات ومراكز التوقيف التابعة للأجهزة الأمنية محطات مؤقتة، قبل إطلاق السراح أو تحويل الموقوف إلى السجن للمحاكمة، باتت صرخة الإكتظاظ مرتفعة جدّاً.

في تقرير نشره الموقع الرسمي لمجلس النوّاب اللّبناني عام 2011، تمّ عرض أبرز المشاكل التي تعاني منها السجون في لبنان، وكانت حصّة الإكتظاظ في البند الأوّل، حيث ذكر التقرير أنّ «الإكتظاظ الشديد «الخانق» لجميع السجون التابعة لوزارة الداخلية بما يقارب 5876 سجين وسجينة، ذلك ما يتجاوز نسبة متوسطة قدرها 300% تقريبا من طاقة جميع الأبنية على الإستيعاب».

وبطبيعة الحال، فالأرقام المبينة تصاعدت حتماً مع مرور السنين، وهذه الأزمة ناتجة من اعتماد مركزية السجون وقلة عددها في لبنان إضافة إلى المشكلة الأبرز وهي التأخير لدى القضاء في البت بالقضايا نتيجة مشاكل بنيوية ولوجستية وأخرى مرتبطة بالعديد المنخفض للقضاة في لبنان، مقابل ارتفاع كبير في حجم القضايا.

آخر الإحصاءات أكّدت أنّ الأرقام والأعداد تضاعف خلال العامين الماضيين مع الأزمة التي يعيشها لبنان ، خاصّة أنّها أدّت الى ارتفاع كبير في معدلات الجريمة، التي بلغ عددها 23,88 بحسب أرقام قوى الأمن الداخلي في الفصل الأول من العام 2021.

وبطبيعة الحال النظارات غير مؤهلة لتكون سجوناً دائمة ولفترات طويلة من حيث ظروف المعيشة فيها، فإنّها لا تستوفي الشروط المطلوبة إن كان لناحية المساحة والسعة، أو لناحية التهوية وتعرضها للشمس، وحتى من ناحية توافر الأسرة والبطانيات والمياه والصرف الصحي والحمامات

وفي هذا المجال تستعرض مايا يمّوت نائبة رئيس جمعية ( (Rescue Me التي تُعنى بتأهيل المساجين في سجن رومية، الجوّ العام للسجون في لبنان وخاصّة سجن رومية، «منذ نشأته والوضع فيه مزر، فسجن رومية بالرّغم من أنّه السجن الأكبر في لبنان ويتكوّن من عدّة مبان، إلّا أنّ الوضع صعب جدّاً لعدّة أسباب، أبرزها تأخير المحاكمات، فعدد كبير من المساجين غير المحكومين قد قضى وقت محكوميته وهو لا يزال في خانة الموقوفين، إضافة الى المشكلة الكبرى التي تفتح نافذة موضوع أصعب، وهي الموقوفون الأجانب، حيث بإمكان الدّولة ترحيلهم بحسب اتفاقية تبادل المساجين بين الدّول، مع العلم أنّ الإتفاقية غير سارية على كلّ البلدان، ومع ذلك من الممكن المضي قدماً بهكذا حلّ، إضافة الى أنّ الموقوقين الإسلاميين يُحاكمون عسكرياً بالوقت الذي من المفترض قانونياً أن تأتي المحاكمات مدنية».

وعن عرقلة تبادل السجناء بين الدول تقول يمّوت: «معظم الأسباب سياسية واجتماعية، ف 45% تقريباً من المساجين الأجانب في سجن رومية هم من الجنسية السورية والفلسطينية، وباعتبار أن البلدين بحالة حرب، فلا تسري مفاعيل المعاهدة».

أمام ما تقدّم حقيقة واحدة، مرّة الطعم فاقدة للإنسانية، فيها عقاب للمرتكب الذي رُبّما لم يعرف التمييز بين الصحّ والخطأ، ففي لبنان، العقاب على الأرض، عوض أن يكون ساحة للتصحيح والإصلاح، فغياب تطبيق برامج التأهيل، سيؤدّي حتماً الى تخريج دفعات من المساجين والموقوفين، لإعادة نشرهم في المجتمع، مرتكبين كالسابق لأنّهم لم يتعلّموا التمييز بين الخطأ والصواب وبين الحقوق والواجبات...

الأكثر قراءة

قيل لسعد الحريري...