اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يقبع اللّبنانيون منذ تشرين 2019 تحت اعباء أزمة اقتصادية أرخت بظلالها على البلاد وأفقدت اللّيرة اللّبنانية قيمتها بشكل تصاعدي ولا تزال... فتأثّر المواطنون بشكل واضح، خاصّة الموظّفين وأصحاب المهن الحرّة حيث تدّنت قيمة رواتبهم الى ما دون 30$.

غلاء معيشي تخطّى حدود القدرات الشرائية، فبات الجميع يشتري الحاجيات الأساسيّة فقط، والبعض لا يستطيع حتّى شرائها. ناهيك عن الأزمات المتتالية بالأدوية والمحروقات وفقدانها ثم ارتفاع أسعارها، فكيف يستطيع اللّبنانيون الصمود في وجه عاصفة اقتصادية، جرفت أمطارها الأحوال الإقتصادية الى ما دون الهاوية؟

يتكئ معظم اللّبنانيون على أبنائهم في بلدان الإغتراب الذين كثّفوا تحويلاتهم المالية بالدولار الى ذويهم منذ اندلاع الأزمة اللّبنانية. فالمغتربون منتشرون في كافة أنحاء بلدان العالم، استطاعوا في هذا الوقت العصيب أن يرفعوا من أسهم الحياة المعيشية في بلدهم الأمّ، كما كانوا السبب الأساسي لضخّ العملة الخضراء في الأسواق اللّبنانية.

تزامناً مع اشتداد الأزمة، خسر هاني (43 عاماً) عمله في شركة تصنيع «الألومينوم» وعلى ما كان يتكّل عليهفي الورش الخاصّة موازاة مع وظيفته، فأتت الأزمة اللّبنانية لتُفقده الوظيفة وتفرمل عجلة المشاريع الحرّة.

أكّد هاني لـ «الديار»، وهو أب لثلاثة أولاد، أنّه لا يزال حتّى اليوم يشعر أنّه حلم سيصحى منه يوماً، ويضيف: «المشكلة الأساسية في لبنان، أننّا لم نستطع يوماً أن نجمع حفنة من المال للأيام السوداء، وإذا كنّا استطعنا لكانت انتهت اليوم، فقدت عملي في المعمل نظراً لتدني مستوى الطلب، وما تقايضته لقاء خمسة عشر عاماً من العمل فيه لم يكفني لمدّة ستة أشهر، فأنا ربّ عائلة، والحياة باتت مُكلفة جدّاً.»

وعن كيفية صموده اليوم يقول: «أستند بطبيعة الحال على أخي الموجود في أوستراليا»

وعن سبب الدمعة التي ارتسمت في عينيه يُجيب: «تدمع عيني بحسرة لأنني، يوم قرر أخي الهجرة، حزنت وشعرت برحيل قطعة منّي، وها هو اليوم يستطيع أن يسندني بفضل القرار الصحيح الذي اتخذه قبل 7 سنوات! يُرسل اليّ شهريا مبلغاً بقيمة 250$ ، كما يُرسل أيضاً المال لأهلي وشقيقتنا. 250$ تنشلني من مآزقي الشهرية ، فأتقاضى منه كحدّ وسطي ستة ملايين ليرة شهرية تسمح لي بتأمين أبرز الحاجيات الرئيسية لعائلتي.»

يبقى هاني واحداً من ملايين اللبنانيين الذين عصف بهم الانهيار، فهل تسهم تحويلات المغتربين في تخفيف وطأة الانهيار الكبير الذي يحاصر اللبنانيين؟

في لمحة تاريخية، وتحديدا بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1989،هاجر العديد من اللبنانيين هرباً من قساوة المشهد اللبناني، فبرز ما يُعرف بـ»أموال المغتربين»، التي ولدت اقتصاداً رديفاً وأسهمت بشكل جزئي في النهوض.

فبعد أن تخطّى عدد المغتربين 1.3 مليون نسمة، بحسب الباحث محمد شمس الدين، سجّلت السنوات الأخيرة موجات الهجرة تراجعا ملحوظا، رغم أنها أضحت حلم الشباب اللبنانيين الطامحين لبناء مستقبل مستقر بعيدا عن اضطرابات ومآسي بلدهم.

حتى بلغ عدد المهاجرين عام 2019 نحو 66 ألفا، وتراجعت لنحو 17 ألف مهاجر في عام 2020، وسجلت في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2021 فقط، نحو 27 ألف مهاجر، وفق آخر الإحصائيات التي نشرها الباحث شمس الدين.

قيمة التحويلات الخارجية عزّزت نموذج العيش اللّبناني!

وبالعودة الى التحويلات المالية، تشير الدراسات الى أنّ التحويلات النقدية عززت رفاهية اللبنانيين ومولت استهلاكهم الداخلي، مع بلوغ الأزمة الاقتصادية ذروتها منذ منتصف 2019، وقد شكلت تلك الأموال نوعا من الحصانة لعشرات آلاف الأسر التي انقلبت حياتها مع تضخم الأسعار، وشح المواد الأساسية من محروقات ودواء وغذاء، بعد أن أضحى أكثر من نصف سكان لبنان فقراء، من بينهم 25% دون خط الفقر المدقع، وفقا لتقديرات البنك الدولي، الذي صنف الأزمة اللبنانية ضمن أسوأ 3 أزمات عرفها العالم.

وللوقوف على تفاصيل الأرقام ودراستها، اكد الباحث الإقتصادي عماد صبّاغ لـ «الديار» أنّ قيمة التحويلات الرسمية بلغت نحو 7 مليارات دولار عام 2020، وتجاوزت القيمة فعليا الـ 12 مليار دولارنهاية العام2021.

وأردف صبّاغ قائلاً: «يركز المغتربون اللبنانيون على تحويل الأموال لعائلاتهم عبر المؤسسات غير المصرفية، خاصّة بعد اتخاذ المصارف إجراءات استثنائية تمثّلت بتعاميم رسمية من مصرف لبنان منذ تشرين الأوّل 2019، حيث احتُجِزت ودائع اللبنانيين في العملة الخضراء وطال التعميم أيضاً ودائع المغتربين.»

ط.ج صاحب مركز شركة تحويل عالمية في شمال لبنان، اشار لـ «الدّيار، الى أنّ الشركة تتلقّى نحو85% من التحويلات الخارجية إلى لبنان كوتيرة التحويلات الشهرية، وأكّد أن نحو 110 ملايين دولار تصل شهريا عبر الشركة، لنحو 170 ألف عائلة تستلمها بشكل نقدي.

فيما يبلغ المعدل الوسطي للحوالات نحو 550 دولارا، غير أن 50% منها أصبحت قيمتها أقل من 300 دولار، ونحو 8% من التحويلات تبلغ قيمتها 50 دولارا يرسلها أصحاب المداخيل المحدودة بالخارج.»

وفيماأصبحت قيمة الـ50 دولارا تفوق الحد الأدنى للأجور ، البالغ 650 ألف ليرة أي بحدود 30$، أدى إلى اتساع الفوضى ومُحفّز إضافي لزيادة نسبة التحويلات الخارجية الى لبنان، فكيف تفواتت النسب؟ يُجيب ط.ج:»تأتي التحويلات المالية من 160 دولة تقريباً يسكن فيها اللبنانيون، ويتلقاها المقيمون على مختلف الأراضي اللبنانية من الشمال حتى الجنوب، مع وجود أكثر من ألفي فرع لمكاتب شركات تحويل الأموال.أما أكثر الدول التي يتلقى منها لبنان تحويلات مالية، فهي بالترتيب كما يلي: أميركا وكندا وأوستراليا ثم دول الخليج ودول الاتحاد الأوروبي. كما ارتفعت معدلات الحوالات لنحو 140 مليون دولار شهريا بعد انفجار 4 آب في مرفأ بيروت، وما هذا إلّا دلالة على تضامن المغتربين مع ذويهم.»

التحويلات المالية كثيفة ومرتفعة نسبها إذاً، لكن أين هي فعلياً على أرض سوق الواقع في ظلّ الصرخات المستمرّة في فقدان الدولار في لبنان؟ من البديهي أن تُصرف الأموال الخارجية على استهلاكات لبديهيات معيشية ضرورية وأساسية، فتدور الأموال في الأسواق وتبقى في شحّ مستمرّ كسحر ساحر...

لينا ز. أستاذة الإقتصاد في إحدى الجامعات اللّبنانية، تعتبر «أن هذه التحويلات لم تعد تشكل عاملا إيجابيا يساهم بالنهضة الاقتصادية، في ظلّ النقص الحادّ بالمواد الأساسية، كالمحروقات والأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الغذائية والإرتفاع الجنوني لأسعارها في حال انوجدت».

وتُحمّل المسؤولية إلى الأزمة المصرفية، «باعتبارها أصل المشكلة، منذ أن تبخرت نحو 120 مليار دولار من الودائع بالعملات الصعبة، في عملية سطو ممنهجة على مدخرات اللبنانيين،وبقي منها أقل من 15 مليار دولار في صورة احتياطي إلزامي لدى المركزي، في حين أنها من حق المودعين».

والسؤال البديهي الذي يطرحه الجميع، من يتحمّل مسؤولية هذا الإنهيار؟ يوجّه اللبنانيون جميعاً أصابع الإتهام الى السياسيات الإقتصادية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة مع نهاية الحرب حتّى اليوم.

فإلى السياسة دُر... بحثاً عن الردّ، دُقّتأبوابالأحزاب اللبنانية، فأتى ردّ ها بتقاذف الكرة من ملعب لآخر، فيما الحكام يقفون خارج الملعب يتفرجّون بدقّة على تجاذبات اللّاعبين وتشتت الجمهور وانهيار المدارج التي تأويه، فتأتي الإصابات فيه غير طفيفة، بليغة لحدّ الجوع، البرد والتشرذم...!  

الأكثر قراءة

المجلس النيابي الجديد امام خطر التعطيل المتبادل والتغيريين «بيضة قبان» اذا توحدوا؟ توازن نيابي بين «القوات» و «التيار».. وحزب الله يحذر «خصومه» من حسابات خاطئة «الطريق» غير «معبدة» امام الحكومة والاستحقاق الرئاسي بانتظار «التسوية» الاقليمية