اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يمرّ قطاع التعليم في لبنان هذا العام بخضّات متتالية، طغى طابع الإعتكاف عليها جرّاء الأزمة الإقتصادية التي تمر بلبنان.

يشكو المعلّمون من الضيق الماديّ، وارتفاع أسعار السلع الإستهلاكية كافّة من أبرزها المحروقات، وبعد صولات وجولات، استطاع أساتذة التعليم الرسمي تحصيل الإبرة بين كومة القشّ، بعد إقرار الحكومة قانون بدل النقل والمساعدة الإجتماعية. لكن هل تقف مشاكل هذا القطاع عند هذا الحدّ؟ أم ستتخطّاها لجهة قدرة الدولة على تسديد قيمة التعويضات من الصناديق حين بلوغ أحد الأساتذة السنّ القانونية للتقاعد؟

في دراسة شاملة أجرتها «الدولية للمعلومات»، أظهرت نتائجها أنّ 83% من أساتذة التعليم الرسمي هم فوق 40 عاماً، واشارت الى أنّ الخبراء وقادة الإصلاح في الدول يتفقون أن إصلاح وتطوير المناهج التربوية وتدريب الكوادر التعليمية هو المدخل لتطوير ونهضة الدول، ولكن الأوضاع في لبنان لا تسير بهذا الاتجاه، فإن أحدث تطوير للمناهج التربوية كان في العام 1997 أي منذ نحو ربع قرن، أما الكادر التعليمي في ملاك التعليم الرسمي فقد أصبح بمعظمه متقدماً في العمر، حيث يبلغ عدد أساتذة التعليم الرسمي في الملاك 18,465 شخصاً في مجموع 39,516 أستاذاً أي ما يشكل نسبة 46.7% من الأساتذة في التعليم الرسمي ، وذلك حسب الفئات العمرية، فهناك 3،193 أستاذ فوق 61 عاماً، و7،120 بين 51 و 60 عاماً، و 5،100 بين 41 و 51 عاماً فيما 3،052 هم بين 31 و 40 عاماً.

قانوناً، يعود للأستاذ الخيار عند بلوغ السنّ القانونية، إمّا التقاعد والحصول على معاش تقاعديّ شهريّ، أو تقاضي تعويض نهاية الخدمة، لكن الأزمة الإقتصادية والإنهيار المالي شكّل علامات استفهام وتخوّف من قبل بعض الأساتذة الذين اقتربوا من بلوغ السن، فالسؤال الذي يتداولونه هل سيستطيعون تقاضي حقوق نهاية الخدمة؟

لمتابعة الحيثيات، اكدت مصادر في وزارة التربية لـ «الدّيار» أنّه «رغم الظروف الإقتصادية الصعبة التي تمرّ بها البلاد، لا تزال وزارة التربية قادرة على الحصول على الإعتمادات التي تصرفها الحكومة ومصرف لبنان من أجل تسديد مبالغ تعويضات نهاية الخدمة للأساتذة الذين يبلغون سنّ نهاية الخدمة، كذلك المعاشات التقاعدية تُصرف بأوقاتها، إلّا أن العقبة الوحيدة التي تقف حالياً في وجه صرف التعويضات هي التأخير في المهل الزمنية، فعادةً ما تُصرف التعويضات بين شهر وثلاثة أشهر من انقضاء الخدمة التعليمية، اليوم وجرّاء الأزمة، تطول المهلة قليلاً».

وأكّدت المصادر «أنّ الدولة تحفظ حقوق الجميع، والأزمة التي تحلّ على لبنان تؤثّر سلباً في كافّة القطاعات الخاصّة والرسمية، إنّما لبنان سينهض من جديد ووزارة التربية والتعليم العالي تعمل جاهدة على المحافظة على مستوى التعليم المتقدّم التي سجّلته على مدى عصور».

في الجهة المقابلة، لميا وهي أستاذة في التعليم الرسمي الإبتدائي، تبلغ من العمر 59 عاماً، تقول لـ «الديار» انّ مخاوفها بدأت تتزايد مع تقدّم سنوات الخدمة التعليمية واقترابها لسنّ التقاعد، اضافت: «5 سنوات تفصلني عن بلوغي سنّ التقاعد، قضيت 35 عاما في خدمة التعليم، مرّت أجيال عدّة وما زلت أتمتّع بالعزيمة وحبّ الرسالة ذاته، لكن منذ سنتين بدأت مخاوفي تزداد، فأنا أخشى أن تضيع سني خدمتي سدًى، خاصّة بعد الأخبار المتداولة حول إمكان الدّولة المعدومة في تسديد تعويضات نهاية الخدمة التي وبطبيعة الحال فقدت الكثير من قيمتها جرّاء تراجع قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، فنتخوّف طبعاً من الخسارة الأكبر. فصعب جداً أن أخرج من القطاع بعد 40 عاماً من الخدمة دون قيمة مالية تؤمن لي جزءاً من كرامتي الحياتية كيلا أكون بعازة لأحد».

وقالت: «أتمنّى أن تتبدّل الأوضاع في لبنان، لأننا شعب يستحقّ العيش بكرامة، وتحلو الحياة به، كما أنّ الأجيال التي نُعلّمها بحاجة لمساحة وطنية وفرص عمل في الداخل عوض البحث عنها خارجاً، فبات عدد المغتربين يتخطّى عدد المقيمين، نحن نخسر كلّ شيء، الأرض والشعب...!»

المخاوف الحياتية لا تقتصر فقط على من سينهي خدمته قريباً، بل أيضاً على من تقاعد مُسبقاً، و»كرجت» عجلة الأسعار الإستهلاكية أمامه.

سامي أستاذ متقاعد منذ 7 سنوات، إختار أن يتقاضى معاشاً تقاعدياً، لم يعُد يخدمه لشراء أساسيات العيش، يقول لـ «الدّيار»: «بعد الأزمة الإقتصادية التي حلّت بلبنان، والمد والجزر بين الأساتذة من جهة والدّولة من جهة أخرى، استطاع الأساتذة تحصيل ما أمكن من زيادات، لكن قانون المساعدة الإجتماعية لم يشمل الأساتذة المتقاعدين، فكيف لنا أن نعيش، نتقاضى راتباً لا يكفي لتسديد فاتورة الإشتراك في المولّد الكهربائي، وكلّ من تقاعد أصبح عمره يفرض عليه تناول بعض الأدوية بالإضافة الى من يعانون من أمراض مزمنة أو خبيثة، من سيتكلّم باسمنا؟ ومن سيطالب من أجل أن نحصل على معاش تقاعديّ يؤمّن لنا الحدّ الأدنى من العيش بكرامة»؟

ووجّه سامي رسالة الى وزارة التربية والدّولة اللبنانية جاء فيها: «أتوجّه برسالتي هذه باسمي واسم كلّ أستاذ متقاعد طالباً من وزارة التربية إعادة النظر بأوضاع الأساتذة المتقاعدين، لأننا خدمنا الوطن وأنشأنا الأجيال تربوياً، وخرّجنا الأطباء والمحامين والوزراء والنواب والعمال والصحافيين، يحقّ لنا أن نُحصّل جزءاً من حقّ العيش بكرامة»!

لا شكّ في أنّ قطاع التعليم هو من أسمى المهن، لا بل الرسائل الإنسانية التي يقوم بها الأستاذ لتنشئة الأجيال، لكن مع الظروف الصعبة التي تعصف في لبنان، وارتفاع نسبة الأساتذة الذين يقتربون من السنّ القانونية، هلّ ستسطيع الدّولة توظيف استخدام أساتذة جُدد، وبخاصّة أنّ صرخات المتعاقدين تعلو باستمرار والدّولة عاجزة عن التوظيف عبر مجلس الخدمة المدنية حالياً؟  

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!