اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

وكأنّه قُدّر للقمح أن يشارك نفس مصير اللبناني في لبنان وأن يعيش في الذلّ. فيعاني من معارك متتالية تضعه في خانة الضياع، تارة يخسر مكان سكنه، وتارة يُسجن في المطاحن بانتظار انتهاء معركة صرف اعتمادات الدعم وطوراً يُضيّع خارطة طريق وصوله الى لبنان... فيغرق المواطن اللبنانيّ في بحر هموم تأمين رغيف خبز.

شظايا الحرب الروسية - الأوكرانية تُصيب الجوار اقتصادياً وخاصّة لبنان الذي يُعوّل على استيراد أبرز السلع الأساسية والموادّ الأوليّة وأهمّها القمح. فبدأت المخاوف تظهر بصورة أوضح في الشارع اللّبناني حول تأمين الكميّة الكافية من القمح للبنان وما هو الحلّ؟ خاصّة وأنّ لبنان لا يُعاني فقط من مشكلة تأمين القمح بل يبحث عن التخزين بعد انفجار المرفأ في 4 آب وتدمير الإهراءات، كما يبحث عن التصريف الإنتاجي بين سعر مدعوم وصرف اعتمادات.

فما هو مصير القمح في لبنان وكيف ستنعكس الحرب الروسية –الأوكرانية على تأمينه خاصّة وأنّ لبنان يستورد 50% من احتياجاته من القمح من أوكرانيا بعد أن بدأت السوق اللبنانية تفتقد لرغيف والمواطن يبحث عن ربطة خبز بين كومة قش؟

بطبيعة الحال ستتأثّر المنطقة الشرقية بأغلبها، فوضع الجوار في حالة عدم استقرار، ولبنان الحلقة الأضعف، هو البلد الذي يُعاني أصلاً من أضخم انهيار اقتصاديّ ومن شلل جمّد أطرافه وأبرز أعضائه.

في جولة بحثها عن القمح البديل والمصادر التي ممكن أن يلجأ لها لبنان، علمت الدّيار من مصادر رفيعة المستوى في وزارة الإقتصاد والتجارة أنّ الوزير سلام عقد عدّة اجتماعات مع سفراء بعض من الدول في لبنان لدرس إمكانية التعويض عن النقص الحاصل والمساعدة في تأمين ما يلزم من كميّات.

في اتصال هاتفيّ مع الدّيار، طمأن جريس البرباري، مدير عام الحبوب والشمندر السكري أنّ مصادر تأمين القمح مؤمنّة نسبياً بحيث أنّ لبنان يستورد من عدد من البلدان إلّا أنّ الكميّات الأكبر كانت تأتي من أوكرانيا.

وأوضح قائلاً: «أُنشئت المديرية العامّة للحبوب والشمندر السكري عام 1959 ومن أبرز مهامها شراء القمح من أجل تأمين الأمن الغذائي. إلّا أنّه، وبعد انفجار 4 آب، بدأ لبنان يعاني من مشكلة التخزين، بحيث أنّ الإهراءات التي كانت متواجدة في مرفأ بيروت دُمّرت بالكامل وبتنا نبحث عن أماكن صالحة للتخزين، فتوزّعت كميّات القمح للتخزين في المطاحن التي تعاني أيضاُ من شلل تصريف الإنتاج بسبب الأزمة الإقتصادية وانهيار قيمة الليرة الوطنية مقابل الدولار ما جعل مصرف لبنان يتأخّر في صرف اعتمادات الدعم للمطاحن».

أمّا بالنسبة للكميات المتوافرة حالياً في لبنان يقول البرباري: «الكميّات المُخزّنة في المطاحن كانت منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية تكفي لمدّة تتراوح بين الشهر والشهر ونصف، وها هي صلاحية المّدة الزمنية تنتهي! فبتنا بأمسّ الحاجة للبحث عن مصادر استيراد بديلة بعد الحرب الأوكرانية الروسية، فخصّصت الحكومة مؤخّراً سلفة مالية للمديرية من أجل تأمين مصدر جديد».

وعن عمليات البحث ونتائجها يؤكّد البرباري أنّ الأجواء إيجابية والمديرية في وضع تدرس فيه صفقة شراء باخرة جديدة تقضي كميّتها مدّة شهر ونيّف تقريباً، وتُبقي المديرية أبواب البحث مفتوحة لشراء الكميات اللّازمة للسوق اللّبنانية».

من جهة أخرى، أشار الوزير السابق فادي عبّود في حديث للديار أنّ المشكلة الأساسية في لبنان، هي مشكلة إدارية، واعتبر أنّ تأمين القمح سهل، فلبنان يستورد أصلاً من بلدان عدّة كالولايات المتحدة الأميركية، وأوستراليا وكندا ورومانيا وغيرها، فالتأمين موجود لو بأسعار مرتفعة أكثر ، إنّما لا خوف على تأمين القمح للبنان.

وأضاف: «المشكلة الحقيقية في لبنان إدارية، فمهما تأمنّت كميّات من القمح وتمّ إدخالها الى لبنان تبقى المشكلة الأساسية في استراتيجية التسويق، والأمر مرتبط بمصرف لبنان الذي يُقدّم الدّعم البسيط الخجول والمتفاوت».

ويرى عبّود أنّ المشكلة الحقيقية تكمن في التخزين ويقول: «الدولة اللبنانية غير جاهزة بعد لتسوية أوضاع الإهراءات التي من المفترض أن تتحوّل لمزار يُسجد أمامه على أرواح الشهداء الذين ارتفعوا يوم 4 آب وحديقة عامّة لاستذكار أرواحه.

على الدّولة اللبنانية البحث عن مكان جديد للتخزين، عليها استغلال معابرها جميعها، عليها استغلال مرفأ طرابلس مثلاً، لا أن تُلزّم المرفأ بصورة غير قانونية ولمدّة 10 سنوات...!

تفتقد الدّولة اللبنانية اليوم لمخطط توجيهي للمرفأ وللإهراءات، فلبنان، بموقعه الجغرافي يستطيع أن يكون بوصلة الشرق وبورصته لجهة الحبوب على شتّى أنواعها من عدس وحمّص وقمح وشمندر والعديد من المحصول، لكن غياب الدراسات التوجيهية من قبل الدولة اللبنانية أوصل بنا الى ما نحن عليه اليوم.

وعن الحلول يقول عبّود: «أُكرّر بأنّ لبنان لا يعاني اليوم من مشكلة تأمين القمح، لأنّ المصادر مؤمنّة، بل نحن بحاجة أوّلاً لمرفأ خاصّ، تُبنى فيه إهراءات تتسّع للكميات الوافرة وبحاجة أكثر للنيّة في العمل الجدّي والتخصّصية في هذا المجال، فنحن نملك القدرة أن يكون وطننا بورصة الحبوب للمشرق وأبعد منه، لمصر والخليج، فنكفي استهلاكنا الداخلي ونبيع الجيران....!

بالمطلق إذاً، لا خوف على القمح والكميّات المطلوبة، اذ تؤكد الآراء التخصصية مُجتمعة أن لبنان يتأثّر بطبيعة الحال بالحرب الروسية الأوكرانية إلّا أنّها لا تُهدّد الكميّات المطلوبة، إذ أنّ المصادر الأخرى مؤمّنة، فالمشكلة إدارية مالية داخلية، لكن... كيف ستنعكس الحرب الجديدة على الداخل اللبناني بعد بدء أزمة المحروقات من جديد وتأثّر سعر برميل النفط عالمياً، إضافة الى أزمة الزيت ولبنان أصلاً في دمار اقتصاديّ لا يحتمل نكسة..؟

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!