اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مع عدم إعلان لبنان الرسمي ردّاً واضحاً على عرض الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين حول خطّه المتعرّج الذي لم يسبق أن اعتُمد مثله في أي نزاع حدودي بحري في العالم، والذي رسمه على خريطة خاصّة به أغفل فيها الخط 29 برمّته، في محاولة منه لكي يُنسي الأطراف المعنية وجوده القوي.. يبدو العدو الإسرائيلي حائراً إذ كان ينتظر رفضاً رسمياً صريحاً للعرض الأميركي.. غير أنّ لبنان تمسّك بضرورة استكمال الوساطة الأميركية في موضوع المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية، ولم يرفض أو يقبل العرض، بل ينتظر أن يتمّ التوصّل الى حلّ أكثر عدالة، بالنسبة لمصلحته العليا ولمصلحة شعبه ومستقبله..

وترى أوساط ديبلوماسية عليمة، بأنّ العدو الإسرائيلي لا يزال يُحلّل خطاب الأمين العام السيّد حسن نصرالله، الذي ترك فيه أمر التفاوض على إنهاء النزاع الحدودي للحكومة اللبنانية، مشيراً الى أنّ «المقاومة لن تتسامح مع عمليات التفتيش الإسرائيلية في منطقة النزاع». علماً بأنّ العدو الإسرائيلي يتحضّر حالياً لوصول سفينة الضخّ من سنغافورة، ويريد أن تبقى الجبهة الجنوبية هادئة أمنياً، وذلك لطمأنة الشركات الدولية (إنرجين اليونانية وهاليبرتون الأميركية) العاملة في «حقل كاريش». وكان نصرالله هدّدها بالقول إنّها «مخطئة إذا اعتقدت أنّها تستطيع انتزاع الموارد النفطية من المنطقة المتنازع عليها قبل اكتمال المفاوضات».

غير أنّ لبنان الغارق حالياً في الحملات الإنتخابية مع بدء العدّ العكسي للإنتخابات النيابية المقبلة التي باتت على قاب أسابيع قليلة من مواعيدها الدستورية، في لبنان والخارج، في 6 و8 و15 أيّار المقبل، لا يبدو مهتمّاً لتحريك ملف المفاوضات قبل انتهاء الإستحقاق المرتقب وانتخاب مجلس نيابي جديد. لهذا، إذا كان العدو الإسرائيلي غير قادر على الإنتظار أكثر بعد، على ما أضافت، فعليه تحمّل تبعات القرارات التي سيتخذها في الأسبوعين المقبلين..

وتجدر الإشارة الى أنّ الرسالة التي أرسلتها الحكومة الى الأمم المتحدة في 28 كانون الثاني الفائت، على ما عقّبت الأوساط نفسها، ذكرت بأنّه «لا يمكن الإدعاء بأنّ هناك منطقة إقتصادية إسرائيلية خالصة مثبتة، بعكس ما ادّعى العدو الإسرائيلي بشأن ما يُسمّيه «حقل كاريش»، ممّا دفع لبنان الى الإعتراض الرسمي بموجب رسالة سابقة رقم 120-أ/2021 المؤرّخة في 18/09/2021، على أي أعمال تنقيب في المناطق المتنازع عليها تجنّباً لخطوات قد تُشكّل تهديداً للسلم والأمن الدوليين».

هذه الرسالة التي سحبتها جهة معينة من «موقع المحيطات والبحار» التابع للأمم المتحدة، بعد أن طلب العدو الإسرائيلي حذف الرسالة التي كان أرسلها رئيس بعثة «إسرائيل» في الأمم المتحدة جلعاد أردان بتاريخ 23 كانون الأول 2021 إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، وأبدى فيها اعتراض بلاده على «فتح لبنان دورة التراخيص الثانية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه البحرية، التي كان أعلن عنها وزير الطاقة وليد فياض بتاريخ 26 تشرين الثاني الماضي، وهي تمتد إلى المياه الإسرائيلية أي إلى مساحة 860 كلم مربع المتنازع عليها بين الجانبين». وقد جدّد العدو الإسرائيلي تمسكّه بمساحة الـ 860 كلم2 ما بين الخطين 1 و23، وحذّر في الرسالة نفسها شركات التنقيب عن النفط من القيام بأي أعمال استكشاف أو تنقيب لصالح لبنان في هذه المنطقة».

وتقول بأنّ العدو الإسرائيلي قام بهذه الخطوة بعد أن رأى في رسالة لبنان «ضربة قاضية» له، كونها تمثّل إعلاناً رسمياً وصريحاً، هو الأول من نوعه منذ ما بعد صدور المرسوم 6433، بأنّ المنطقة المتنازع عليها تقع بين الخطين 23 و29 وليس بين الخطّين 1 و23، وتحتفظ بالتالي بحقّ تعديل المرسوم المذكور في حال المماطلة وعدم التوصّل إلى حلّ عادل بين الجانبين. غير أنّ الجهة التي حذفت الرسالة عادت ونشرتها ولا تزال اليوم موجودة على الموقع المذكور. أمّا طلب العدو الإسرائيلي حذف رسالته، فلا يجعل رسالة لبنان منتفية الوجود بل يُبقي على ديمومتها وأهمية مضمونها.. وكان لبنان دعا مجلس الأمن أيضاً الى مطالبة العدو الإسرائيلي وجوب الإلتزام بما سبق وأن طالب به في رسالة بتاريخ 27 كانون الأول من العام 2021، و»الإمتناع عن القيام بأي نشاط في المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك منح حقوق لأي طرف ثالث، والقيام بأنشطة إستكشافية أو بأعمال حفر»، وذلك قبل انتهاء المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين.

وكلّ هذا يعني، على ما أكّدت الأوساط عينها، أنّه لدى الأمم المتحدة ما يكفي من رسائل من قبل لبنان لكي تقوم بالتحقّق من أنّ الأعمال التي سيجريها العدو الإسرائيلي في «حقل كاريش» لا سيما إذا ما طالت القسم الشمالي منه، تقع في المنطقة المتنازع عليها أم لا، بحسب ما سبق وأن طالبها لبنان بالتحقّق من هذا الأمر كونه يُمكن أن يهدّد الأمن والسلم الدوليين... وبهكذا تكون الدولة اللبنانية قد حفظت حقّها في «منع» العدو الإسرائيلي من شفط الغاز من «حقل كاريش» قبل استكمال المفاوضات غير المباشرة لترسيم الخط البحري بوساطة أميركية.

وعن إمكانية أن يتمّ التغطية على أعمالها في «كاريش»، فذكرت بأنّ هذا الأمر غير ممكن، وغير وارد. فلبنان يحتفظ بكامل حقوقه في رفع أي مطالب في المرحلة اللاحقة الى الأمم المتحدة ومراجعة حدود منطقته الإقتصادية الخالصة، على ما تنصّ المادة الثالثة من المرسوم رقم 6433 الصادر بتاريخ 1 تشرين الأول 2011، والذي لا يزال بإمكانه تعديله، وقتما يرى ذلك مناسباً، لا سيما إذا ما فشلت المفاوضات غير المباشرة في تحقيق التسوية التفاوضية..

وحتى الآن، على ما عقّبت الأوساط، لا يسعى لبنان الى تفشيل المفاوضات، بل على العكس دعا الولايات المتحدة في البيان الرئاسي الأخير (في 18 آذار الماضي) الى الإستمرار في جهودها لاستكمال المفاوضات لترسيم الحدود البحرية، وفقاً لاتفاق الإطار، بما يحفظ مصلحة لبنان العليا والإستقرار في المنطقة... وإن كان جرى تعليق هذه المفاوضات منذ أيّار من العام الماضي، غير أنّ الجولات المكوكية للوسيط الأميركي قد تناولت مقترحات عدّة، ونقلت وجهات نظر الجانبين.

ولفتت الى أنّه ليس من مصلحة أي من الجانبين اليوم إشعال الجبهة الجنوبية، وتهديد الأمن والسلم الدوليين، بل السعي من أجل العودة الى طاولة الناقورة لاستكمال المفاوضات غير المباشرة برعاية أممية ووساطة أميركية توصّلاً الى اتفاق نهائي على ترسيم الحدود البحرية، يُنهي النزاع القائم ولا يُبقي أي مساحة أو حقول مشتركة قد تكون سبباً لاستمرار الصراع بين الجانبين لسنوات طويلة بعد، على غرار ما حصل في مزارع شبعا. 

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!