اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يفترض بي أن أكون الشخص الآخر قي ذلك اليوم: لوح خشبي، بعقل خشبي، وبضمير خشبي، لأضع ورقتي في ذلك القبر الذي يدعى صندوق الاقتراع. من أكون قتلت بعدما أفرغ من مهمتي، وأغسل يدي الملطختين؟

قتلت لبنان، وقتلت كل حفنة تراب، وكل زهرة لؤلؤ عشقتها في طفولتي. أنا ذلك القروي الرومانسي الذي كان يحلم بأوركسترا السنونو بدل أوركسترا الغربان. لم أكن أتصور أن أوركسترا الذئاب بانتظاري عند كل مفترق. غالباً ما تحمل بين أسنانها الكتب المقدسة...

هكذا الحلم تلو الحلم. الصدمة تلو الصدمة. السقوط تلو السقوط. ما معنى كل تلك القراءات، وكل تلك المشقات، حين تعلم أن الكرة الأرضية كلها تدار بأسنان الذئاب. اذا لم يتم تعليبك سياسياً، يتم تعليبك طائفياً. وغالباً ما كنت، وما زلت، أسأل الله عن الخطيئة التي ارتكبها آدم لكي يطرد من هناك بتلك الطريقة التعسفية، وان كنت قد تقينت، وأنا أرى كيف توزعنا طبقات طبقات أن ثمة أكثر من آدم هبط الى هذه الدنيا.

في مدينة زحلة، كان عليّ أن أحضر القداس الصباحي. هناك علمت أن المسيح ظهر في هذا العالم لكي يغسل الخطيئة، لكنهم علقوه على خشبة. صعد الى السماء، وبقيت الخطيئة. منذ ولادتنا، وولادتكم، متى لم يكن طريقنا طريق الجلجلة، ومتى لم نعلّق على خشبة؟

اذاً، جثة أمام صندوق الاقتراع. هكذا سأنتخب، وهكذا ينتخب الأميركي، وينتخب الروسي، وينتخب الصيني. لا مكان الا للذئاب في الطبقة العليا، ولا مكان الا للجثث في الطبقة الدنيا من الكرة الأرضية. لا نتصور أن المشهد سيكون مختلفاً في العالم الآخر. لهذا سأل خوسيه ساراماغو "أيها السيد الله، هل أتيت بنا فقط لنكون الحصى التي يطأها الفيلة"؟

على الطريق من بيروت الى قريتي في البقاع، صور وشعارات على مد النظر. تصوروا غراباً وهو يضحك. تصوروا غراباً يعدكم بالمنّ والسلوى.

يا للصدفة الغريبة حين أصبحت بمحاذاة القاعدة الجوية في رياق (وهناك الذكريات الأولى للأستاذ شارل)، فوجئت بغراب يحلق فوقي. للمرة الأولى، أشعر بأن الغراب يمكن أن يكون جميلاً، وراقصاً، وعبثيا، ويسخر من الذين يخشون منه كنذير شؤم. أنا أنتمي الى ديانة الانكليزي توماس هوبز: الانسان ذئب الانسان...

على الطريق، العشرات من الملصقات الاعلانية العائدة لأحد الأحزاب. مرشحون مبعوثون من كوكب آخر من أجل خلاصنا من العتمة، ومن الاستبداد، ومن العبودية، ومن ثقافة علي بابا " نحنا فينا نضوي""، نحنا فينا نحرر الدولة"، "نحنا فينا نستعيد السيادة"،" نحنا فينا نحقق العدالة"، "نحنا فينا نضبط التهريب"، "نحنا فينا نمنع السرقة".

لم أكن أبداً لأستسيغ أفكار أفلاطون حول الجمهورية التي لا مكان لها حتى في الخيال. في تلك اللحظات شعرت أن ثمة أفلاطون آخر يظهر بيننا، وسينقلنا ولو بالحاويات (ما الفارق بين الحاويات والأحزاب في بلدنا؟) من جهنم الى الجنة. ولكن ما فهمت من قراءة ما وراء الشعارات أن الحزب يعدنا بأتيلا لا بأفلاطون. لبنان بحاجة الى آتيلا (الجبار) لا الى أفلاطون كنبي اغريقي لا يحمل السيف ولا يحمل العصا.

لنتصور أن الحزب اياه تمكن بالتأجيج السياسي، والتأجيج الطائفي، الشائعين هذه الأيام، من مضاعفة عدد ممثليه في ساحة النجمة، كيف له أن يحقق ولو جزءاً مما وعد به جثثنا المعلّبة؟ ألم يمتلك كتلة وازنة في البرلمان الحالي ؟ ماذا تراه فعل سوى "الحكي"، وسوى الدخول في تلك المماحكات الدونكيشوتية، في حين أن البلد ينتقل من خراب الى خراب.

اللهم الا اذا كان الرهان على قصر بعبدا، وحيث صلاحيات صاحب الفخامة أقرب ما تكون الى صلاحيات صاحبة الجلالة.

لا شيء أكثر سهولة من الضحك على اللحى، خصوصاً في زمن الرسوم المتحركة، ولكن ماذا عن الضحك على الذات ؟ هنا كونسورسيوم الطوائف. الذئاب (لا الغربان) بالياقات البيضاء. الغراب ـ كما رأيناه ـ جميل. بورقة الاقتراع نعلن، أمام الملأ، أن الذئب جميل أيضاً، وينقلنا بالحاويات من الجحيم الى الفردوس..


الأكثر قراءة

كيف توزعت الكتل النيابية؟