اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

من عايش الحرب الأهلية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، يعلم أن الظروف المعيشية آنذاك للمواطن اللبناني كانت أفضل مما يعيشه اليوم. بالطبع هذا القول ليس بدعوة إلى العودة إلى تلّك الأيام التي تقاتل فيها اللبنانيون ليُعاودوا بعدها الجلوس حول الطاولة، بل هي للقول أن الحرب التي كانت تقوم بها الميليشيات آنذاك لم تصل الى هذه المرحلة من الانهيار، وهي لمقارنة سوء الوضع الإقتصادي والمالي الذي وصل إليه لبنان، والذي صنّفه البنك الدولي على أنه من أكثر ثلاث أزمات سوءًا في العالم منذ أكثر من قرن ونصف القرن. والأصعب في الأمر أن البنك الدولي وصف ما يحصل بأنه مُتعمّد نظرًا إلى الإجراءات التي تستطيع السلطات اللبنانية القيام بها ولا تقوم بها لأسباب بالطبع لا تُقنع أحدًا، بدءًا من حقوق المسيحيين وصولًا إلى المناداة بالسيادة ومرورًا بالنظريات «الخنفشارية» وغيرها من النظريات التي إن دلّت على شيء، تدلّ على الصراع للإمساك بزمام السلطة.

مؤسسات الدوّلة تتحلّل، ومعها الخدمات العامة الأساسية التي تسمح للمواطن بالعيش الكريم والتي تحتكرها دولة غير قادرة على دفع كلفتها التشغيلية، نتيجة الفساد المُستشري والنهب في المال العام. أرقام خيالية صُرفت على الكهرباء ولا نعلم أين ذهبت! وفي المقابل لا تمتلك الدولة القدرة على دفع أجر النقل لموظفيها، ولا دفع الكلفة التشغيلية لمؤسساتها! هذه هي نتيجة إدارة دولة من دون موازنات!

المواطن الذي ضُرب في صميم كرامته الإنسانية لم يعد قادرًا على تأمين أبسط حقوقه التي نصت عليها شرعة حقوق الإنسان، والتي شارك في وضعها لبنان (أين أنت يا شارل مالك؟!). لا أمواله يستطيع الوصول إليها، ولا قوته قادر على تأمينه، ولا تنقلاته قادر على دفعها! فيهاجر من هذا الجحيم للعيش بكرامة، وإذا أراد الذهاب خلسة إلى خارج لبنان، يجد بإنتظاره عبّارات الموت لتخطف روحه!

بلد وصل فيه التدنّي في التعاطي السياسي إلى مستويات جعلت من لبنان في المرتبات الأخيرة في تصنيف الدول على كل الصعد، بعد أن كان لبنان على أيام الكبار جنّة تحتل المرتبة الرابعة عالميًا من ناحية الرخاء. بالطبع لا يُمكن لوم إلا أنفسنا على إعادة الشرعية لطبقة سياسية أوصلت البلد إلى الحضيض.

هذا المواطن يتحمّل يوميًا كمًّا هائلًا من الضغوطات بحثًا عن حاجاته، وآخرها الخبز الذي لم تنته فصوله حتى الساعة بين جشع التجّار وضعف حماية المُستهلك في وزارة الإقتصاد والتجارة. فالوزير يتّهم الأفران والمطاحن ببيع الطحين والخبز في السوق السوداء بالإضافة إلى تهريبه، والتجار من جهتهم يتّهمون الدولة بعدم دفع المُستحقات. وفي الوسط يعلق المواطن الذي ينتظر في صفوف لا تنتهي بحثًا عن ربطة خبز وصل سعرها في بعض المناطق إلى أكثر من 35 ألف ليرة!

وماذا نقول عن أصحاب المولّدات الذين يتباكون كل يوم على وسائل الإعلام يُريدون قبض الفاتورة نقدًا وبالدولار، في ظل عجز كامل لوزارة الطاقة التي حرقت أكثر من 45 مليار دولار أميركي على شراء الفيول من دون أن يكون هناك كهرباء! والأنكى أن الدولة عاجزة، أو يجدر بنا القول لا تُريد (؟) القيام بأية خطوات لتصحيح هذا الوضع! في الواقع ارتأت الحكومة أنه يجب تطبيق قانون السير حفاظًا على حياة المواطنين (!!!) فإذ بها تدفع بقوى الأمن الداخلي إلى تحرير محاضر ضبط بحق المخالفين، علّ ذلك يؤمّن القليل من المداخيل التي لم تعد تستطيع الحكومة تحصيلها!

أمّا دولار السوق السوداء، فهو يعيش على وتيرة الهجوم المُستمر على مصرف لبنان وحاكمه، والذي أبرز بالأرقام في آخر لقاء له، كيف أن الدوّلة إستفادت من مصرف لبنان بشكلٍ مباشر بما يزيد عن 62 مليار دولار أميركي! لكن هذه السلطة إستطاعت تسجيل هدف في مرمى «المركزي» من خلال تسجيل هذه الأموال كخسائر في ميزانية مصرف لبنان. وفي الوقت الذي كان يُصرّح حاكم المركزي بهذه الأرقام، قامت بعض القوى السياسية بإرسال بعض الأجهزة الأمنية للقبض على حاكم مصرف لبنان في ظل مسرحية لا تليق إلا بالأفلام!

على هذا الصعيد، تلتئم نقابة موظفي مصرف لبنان اليوم في جمعية عمومية طارئة لأخذ قرار الإضراب التحذيري أو المفتوح بعد «معاملة القاضية غادة عون المُذلّة للمديرين والموظفين ونواب الحاكم وتجاوزها القانون والصلاحية». ووفق بيان صادر عن النقابة: «الإجراءات التي تتخذ بحق مصرف لبنان وموظفيه من قبل القاضية غادة عون تتعارض مع الأصول القانونية». ومن المتوقّع على هذا الصعيد، أن يتمّ إتخاذ قرار بإضراب تحذيري مع توجيه نداء إلى مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل لوضع حدّ لتصرفات القاضية عون التي «لا تحترم القانون خلال التحقيقات التي تكون مذلّة مع المدراء والموظفين، ونواب الحاكم»، بحسب ما أوردت مصادر مركزية.

الجدير ذكره، أن هناك طلبات ردّ ترفض القاضية عون قبولها، بالإضافة إلى مخاصمة مقدمة ضدّها ترفض استلامها أيضا. كما أن القاضية عون أرسلت جهاز أمن الدولة لإعتقال حاكم المصرف المركزي في الوقت الذي كانت تُبث فيه مقابلة مُسجّلة مع الحاكم، في محاولة فسّرها البعض على أن الهدف منها إسكات الحاكم، خصوصًا بعد نشره لأرقام تُدين السلطة السياسية وبالتحديد فريق القاضية عون السياسي.

التداعيات لإضراب موظفي «المركزي» قد تكون كارثية على النشاط الإقتصادي والمالي:

- أولًا : على صعيد أجور القطاع العام، حيث أن أي إضراب سيؤخّر حكمًا دفع الرواتب في حال إنجازها من قبل وزارة المال.

- ثانيًا : على صعيد الدولار الأميركي الذي من المتوقّع أن يرتفع مع توقّف خدمات منصة صيرفة.

- ثالثًا : على صعيد سحب الأموال من المصارف الذي سيتوقّف حكمًا بإضراب موظفي مصرف لبنان.

- رابعًا : على صعيد الإستيراد الذي من المتوقّع أن يتأثر بشكل كبير، وهو ما سينعكس نقصًا في السلع والبضائع وعلى رأسها المحروقات والأغذية والأدوية.

- خامسًا : على صعيد المستشفيات التي ستفتقد إلى القدرة على تأمين المواد الأولية.

وإذا إستمر الإضراب لفترة تتخطّى اليومين، فإن تداعيات سلبية أخرى ستظهر وسيكون المواطن ضحيتها.

وبحسب موظف في مصرف لبنان رفض الكشف عن إسمه، «يتمّ التعامل مع موظفين المصرف المركزي من قبل القاضية عون على أنهم مجرمون، ويتمّ إذلالهم خلال التحقيقات وهو أمرٌ لن يقبل به الموظفون نظرًا إلى أنهم ليسوا بمكسر عصى لأحد، ولم يرتكبوا أي عمل مخالف للقانون».

إلى هذا قال مرجع وزاري سابق لـ «الديار» «إن ما تقوم به القاضية غادة عون هو مُخالف للقانون الذي تدّعي المدافعة عنه من خلال إمتناعها عن إستلام دعوى المخاصمة التي قبل إستلامها المُحقّق العدلي طارق البيطار». وأضاف «إن إستمرار القاضية عون على هذا المنوال مع كل الدعم الذي تلقاه من رئاسة الجمهورية، سيزيد الوضع سوءًا، وما إضراب موظفي المصرف المركزي إلا فيض من غيظ».

في هذا الوقت، يتجه رئيس الحكومة المُكلّف نجيب ميقاتي إلى طرح تشكيلة حكومية هذا الأسبوع على رئيس الجمهورية. المصادر المواكبة لعملية التأليف تُفيد، أن ميقاتي يريد تشكيلة حكومية جامعة وطنية تضمّ كل القوى السياسية، بما فيها «القوى التغييرية» نظرًا إلى حساسية المرحلة ووجوب إشراك الجميع في ظل فراغ رئاسي مُتوقّع، وهو ما يعني أن هذه الحكومة هي حكومة رئاسية ستأخذ صلاحيات رئيس الجمهورية.

وتُشير المصادر إلى أن المزايدات التي يقوم بها «التيار الوطني الحرّ»، لا تعكس واقع ورغبة التيار الكبيرة بمشاركة سياسية (بشخص باسيل بنفسه) بهذه الحكومة نظرًا إلى أهمية الجلوس على طاولة المجلس في ظل الفراغ الرئاسي الذي أصبح شبه أكيد بحسب المصادر التي تُضيف أن التيار سيرفع من سقف المطالب حتى يستحصل على الحدّ الأدنى مما يُريده.

وتؤكّد المصادر أن النائب جبران باسيل الذي سلّم بإستحالة إقالة حاكم المصرف المركزي قبل نهاية العهد، سيعمد إلى الدخول إلى الحكومة بشخصه بهدف طرح الموضوع من خارج جدول الأعمال، بحكم أن الوزير يحمل جزءًا من صلاحيات الرئيس. وتقول المصادر ان هذا يُشبه إلى حدٍ بعيد ما حصل بين تمام سلام وجبران باسيل في العام 2014 على إثر إنتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان.

وتُضيف المصادر أن رئيس التيار الوطني الحرّ لم يعد يملك شيئًا ليخسره، وبالتالي سيذهب إلى الأخير في عملية توزيره شخصيًا، نظرًا لأهمية وجوده في الحكومة في المرحلة المُقبلة مع شغور منصب الرئاسة الأولى، وتراجع أسهم باسيل الرئاسية إلى أدنى مستوياتها.

أما على صعيد «القوات اللبنانية»، فتُشير مصادر إلى أن هناك إتفاقا ضمّنيا تمّ بين «القوات» وميقاتي ينّص بعدم تسميته، وهو ما يخدم هدفين في آن واحد: من جهة يخدم «القوات» بقولها أن لديها معايير، وبالتالي تحفظ ماء الوجه أمام جمهورها، ومن جهة أخرى تضمن حصول ميقاتي على الأصوات التي تجعل منه رئيسًا مكلّفًا، لا يكون تحت رحمة النائب جبران باسيل. وبحسب هذه المصادر، ترغب «القوات» بشدّة الجلوس على طاولة مجلس الوزراء، وهي التي مُنيت بخسائر كثيرة منذ الإنتخابات، وبالتالي تُريد أن يكون لها كلمة وازنة في المرحلة المقبلة في ظل الفراغ الرئاسي، وعلى إعتبار أنها القوة المسيحية الأولى مع 18 نائبًا.

إلى هذا، يُتوقّع أن يرفض الرئيس ميشال عون أي تشكيلة وزارية لا تُلبّي المعايير التي وضعها، والتي تضمن إستمرارية مُستقبل رئيس التيار الوطني الحرّ. وقد نُقل سابقًا عن رئيس الجمهورية طلبه من ميقاتي خلال الإجتماع المُخصص لبحث ملف ترسيم الحدود، رغبته (أي رئيس الجمهورية) بعودة باسيل إلى مجلس الوزراء.

في الوقت الذي يُعاني فيه المواطن الأمرّين نتيجة تردّي الأوضاع المعيشية، تقوم القوى السياسية بكل ما يلزم للحصول على الحصص الحكومية الأكبر. وعلى الرغم من التصاريح الرنانة التي لم تعد تلقى أذانًا صاغية إلا لدى المناصرين، هناك عجز شبه كلّي لدى أي من الأفرقاء على الخروج من الأزمة.

الأكثر قراءة

ماذا يحدث لجسمك إذا تناولت موزة واحدة يوميا؟