اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يستمرّ الجدال حول من سيتولّى صلاحيات رئيس الجمهورية، في حال لم يتمّ انتخاب الرئيس الخلف لرئيس الجمهورية الحالي العماد ميشال عون، ولم يتمكّن الرئيس المكلَّف نجيب ميقاتي بالتالي من تشكيل الحكومة الجديدة، التي عليها نيل ثقة المجلس النيابي الجديد لتُصبح "شرعية وكاملة المواصفات". وتنقسم الآراء في الداخل، بين من يرى أنّه بإمكان الحكومة الحالية أن تُدير شؤون البلاد في حال شغور سدّة الرئاسة، على ما جرى مع حكومات سابقة، في حين يؤكّد البعض الآخر أنّه لا يُمكن لحكومة تصريف أعمال "شرعية" أي حائزة على ثقة المجلس النيابي، سوى أن تُصرّف الأعمال بالمعنى الضيّق، على ما ينصّ عليه الدستور، فكيف بحكومة تصريف أعمال "غير شرعية" لأنّها غير حائزة على ثقة المجلس النيابي الجديد الذي أصبح هو "المشرّع الجديد"، وليس المجلس النيابي السابق المنتهية ولايته؟!

تقول مصادر سياسية مطّلعة، بأنّ هذا الجدل سيستمرّ مع الأسف، منذ الآن وحتى انتهاء عهد الرئيس عون في 31 تشرين الأول المقبل، في حال بقيت الأمور على حالها. ويبدو واضحاً أنّ لكلّ مجتهد أو خبير دستوري وجهة نظر في هذا الموضوع، غير أنّه يُلاحظ أنّ وجهات النظر تتغيّر مع تبدّل الظروف والعهود والرؤساء، ما يعني بأنّ وجهة النظر السياسية تتحكَّم بالموقف القانوني، ولهذا لا يُمكن اعتماد هذا الموقف أو ذاك، إذ نادراً ما يتمّ تقديم موقف قانوني بحت من أي طرف كان.

ولهذا، فما ينطبق على الموقع الأول في الدولة أي على الرئاسة، بحسب المنطق، قبل الخوض في القانون والدستور والشرعية، على ما أضافت المصادر، ينطبق على الموقع الثالث فيها أي على الحكومة. فلا يُمكن على سبيل المثال، اعتبار بقاء الرئيس عون بعد انتهاء ولايته في قصر بعبدا اغتصاباً للسلطة، ونوعاً من الخيانة "العظمى" كونه خرقٌ للدستور، لا سيما بعد انتهاء المهل المحدّدة، وفي الوقت نفسه يُحلّل لحكومة ميقاتي التي تُعتبر مستقيلة منذ إجراء الإنتخابات النيابية الأخيرة في أيّار الماضي، والتي انبثق عنها مجلس نيابي جديد، وهي تقوم بمهام تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق، من دون أن تجتمع أو تعقد جلسات وزارية، أنّها "شرعية" كونها "حاصلة على ثقة المجلس النيابي السابق المنتهية صلاحيته".. فالرئيس عون حاصل على "شرعيته" كذلك من المجلس النيابي نفسه، وهو الذي انتخبه لسدّة الرئاسة، ورغم ذلك يحتاج الى إعادة انتخابه أو التمديد أو التجديد له من المجلس النيابي الجديد.

من هنا، أشارت المصادر نفسها، الى أنّه لا يُمكن كذلك اعتبار حكومة ميقاتي الحالية "أكثر شرعية" من أي حكومة لم تتشكَّل بعد ولم تنل الثقة من مجلس النوّاب الجديد، لأنّ "شرعيتها" سقطت فور انتهاء صلاحية البرلمان السابق، وإن بقيت في الحكم تقوم بتصريف الأعمال. فسواد هذا المنطق، قد يجعل "المشرّعون" يُوافقون على بقاء الرئيس عون في قصر بعبدا بهدف عدم تسليم البلاد الى الفراغ بحكم شغور سدّة الرئاسة، على اعتبار أن وجوده يبقى "أكثر شرعية" من أي رئيس محتمل وغير منتخب من البرلمان.

وبما أنّ "الشرعية" الفعلية لا يُمكن أن تستعيدها الحكومة سوى بتشكيل حكومة جديدة تنال الثقة في مجلس النوّاب، فلا بد، على ما شدّدت المصاد ر، من اللجوء الى هذا الخيار دون سواه، وإلّا فإنّ الإجتهادات الدستورية التابعة لكلّ فريق سياسي سوف تستنبط حلولاً بعيدة عن القانون والشرعية وتُطبّقها، على غرار ما حصل في الماضي، أو قد تحصل للمرة الأولى وبشكل إستثنائي، نسبة الى الظروف الطارئة أو القاهرة.

ولفتت المصادر عينها ، الى أنّه ليس بمجرّد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية تُصبح الحكومة الجديدة، حكومة تصريف أعمال، إنَّما بعد انتخاب الرئيس، وبدء عهد جديد يستلزم حكومة فاعلة. فحكومة الرئيس تمّام سلام، على سبيل المثال، بقيت مكتملة المواصفات بعد انتهاء ولاية الرئيس، لهذا تابعت عملها الى حين انتخاب الرئيس الجديد. في حين أنّ الحكومة الحالية أصبحت مستقيلة مع انتهاء ولاية مجلس النوّاب وانتخاب المجلس النيابي الجديد، عملاً بأحكام المادة 69 من الدستور. ومع بداية ولاية الرئيس الخلف للرئيس عون تتحقّق أيضاً إحدى حالات اعتبار الحكومة مستقيلة، وليس مع نهاية ولاية الرئيس عون. ولكن بما أنّ حكومة ميقاتي الحالية هي مستقيلة بحكم الدستور، فيستحيل إحياؤها إِلَّا بمراسيم جديدة يُحدّدها رئيس الجمهورية، ومن ثمّ عليها المثول أمام البرلمان لتنال ثقته.

أمّا في حال وقوع الشغور الرئاسي بعد انتهاء عهد الرئيس عون، على ما أوضحت المصادر العليمة، فهذا يعني في المبدأ أنّ صلاحيات الرئيس تُناط بمجلس الوزراء وكالة، في حال كانت الحكومة قائمة. ولكن بما أنّه في ظلّ الحكومة المستقيلة، قلّماً ونادراً جدّاً ما ينعقد مجلس الوزراء، وبما أن رئيس الجمهورية هو من يدعو الى اجتماعات إستثنائية لمجلس الوزراء بالإتفاق مع رئيس الحكومة، فعندما يُغادر الرئيس عون قصر بعبدا ويقع الشغور، لن يكون هناك من مرجع مختصّ لدعوة مجلس الوزراء الى الإنعقاد. وبما أنّ الحكومة الحالية مستقيلة، وتتصرّف بالمعنى الضيّق بأعمالها هي، على ما تنصّ عليه المادة 64 من الدستور، فلا يجوز أن تُضاف اليها صلاحيات مرجع دستوري آخر، أي صلاحيات الرئيس، ما دامت هي نفسها مكبَّلة فيما يتعلّق بصلاحياتها بالتصرّف بالمعنى الضيّق. ولا حاجة لتفسير ما يعنيه "المعنى الضيّق للأعمال" أو الإجتهاد به وصولاً الى "توكيل" الحكومة الحالية بصلاحيات رئيس الجمهورية في حال شغور سدّة الرئاسة بعد انتهاء عهد الرئيس عون، لأنّه يستحيل أن تتولّى الحكومة المستقيلة صلاحيات رئيس الجمهورية بالوكالة بأي شكل من الأشكال، سيما وأنّ مجلس الوزراء هو "الوكيل" عن رئيس الجمهورية وليس الحكومة.


الأكثر قراءة

مدّوا أيديكم الى حزب الله