اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

الكذب، هو القول المزيف، او الحقيقة المزيفة. هو الروايات والأحداث التي يتم تصويرها والتحدث عنها بزيف يخلو من الحقيقة، بقصد الخداع لتحقيق هدف أو أهداف معينة. يأخذ الكذب أشكالا عدة، ويتدرج من أن يكون بسيطا إلى متملكا وحادا، وهذا ما يجعله حالة مرضية. يتسلل الكذب إلى كل وجوه الحياة النفسية والمادية والاجتماعية وغيرها، بسلوكيات غالبا ما يكون لها آثارا موجعة على أكثر من صعيد.

فقد يتراوح بين بسيطا لإخفاء أمر معين بنية حسنة، ولكنه قد يتطور ويتراكم ليؤدي إلى نتائج غير سليمة بنيت على زيف.أو أنه يكون مستفحلا منذ البداية بمقاصد يراد تحقيقه.، وقد يقترن بارتكاب أفعال جرمية كالسرقة والغش والنصب، ويسوء دراماتيكيا ليسبب الموت في كثير من الأحيان إن عمدا أو نتيجة. هذا ويسيطر الكذب كسمة على كثير من المهن كالتجارة أحيانا، والإعلام حينا، وهو قد يصيب المهن الدقيقة في مجتمعات تسلل إلى جوفها الفساد، فتراه في الصحة والطب والتعليم والخدمات وما إلى ذلك.

يستفحل الكذب أحيانا ليكون رصاص وبارود الحروب، فيشن حملات من إعلامية وغيرها ممتلئة بمعلومات مغلوطة، يكون لها الوقع النفسي والتحريضي والدراماتيكي على الكثير من الشعوب والمجتمعات. وهو نوع من الحرب النفسية الباردة التي يكون لها آثارا تدميرية طويلة الأمد، يصعب الشفاء منها، وتدمر المجتمعات نفسيا وجسديا.

الكذب والواقع التربوي

في هذا المجتمع المتشابك، الذي ينخره الفساد في كل القطاعات، يغدو الكذب الخبز اليومي للكثيرين وغالبا ما يوصف بـ«الشطارة». إنه لأمر خطير جدا، ينذر بكوارث مجتمعية كبيرة، حين يتسلل إلى الواقع التربوي ويصبح سمة مستفحلة في التعاطي والسلوك، خاصة وان المدارس والتربية تستهدف تشكيل مجتمع الغد، بشبابه وتطلعاته ، بمصداقيته وسلوكه، فكيف إذا كان الكذب أحد أمراض هذا التأسيس، كيف سيكون شكل الغد؟!

أسباب الكذب عند الأطفال والطلاب: تتداخل العوامل التي تدفع بالطفل او الطالب للكذب، وتحليلها يساعد على فهمها وبالتالي مقاربتها بالشكل السليم للتعامل معها وعلاجها

ـ حب الظهور: بحيث يعيش الأطفال او الطلاب في ظروف اجتماعية واقتصادية ونفسية مختلفة، ويكون لهم قدرات جسدية وعقلية مختلفة. فبينما يكون الطالب متفوقا، يكون زميله يعاني صعوبة في التعليم وصعوبة في إحراز علامات حيدة، وبينما يكون الوضع المادي والاقتصادي أو المستوى الاجتماعي لأهل أحد الطلاب مرموقا، يعاني طالب آخر من ظروف اقتصادية قاسية ووضع اجتماعي صعب... فيعمد الطالب او الطفل إلى نسج أكلذيب تعوضه إحساس النقص النفسي الذي يشعر به، وتجعله يعظم ذاته.

ـالقسوة والكبت: غالبا ما يخفي الطالب الحقيقة ويلجا للكذب لإخفاء تقصير، سلوك، أوعلامة مثلا خوفا من أن يعرضه لأمرين، أولهما العقاب من أهله ومعلميه مثلا وثانيهما، تفادي الإحساس بالخيبة لما قد يخسره من إعجاب أهله ومحيطه، المدرسي والبيتي.

ـالتعويض عن نقص في المادة او الملكية: كأن يقارن الطالب بين ما يملكه هو ، وبين ما يملكه زملاء له من ألعاب وأدوات مدرسية، ثياب، سيارات، غرفة مستحدثة وغيرها... فيلجا الطالب للكذب، ليمتلك ما ينقصه بالفكرة ، كي يشبع حب التملك لديه، ويبعد عنه الشعور بالقلة او النقص.

ـ الحصول على الإهتمام: قد يلجا الطفل إلى الكذب للحفاظ على مكانة كانت له، كتقدير في الدراسة، أو تميز لكونه الإبن المدلل للأسرة... فيعمد مثلا إلى الكذب، إلى تغيير علاماته ليحافظ على إعجاب أهله وعدم مقارنته بأخيه المتفوق، أو قد يلجأ لادعاء المرض وعدم الراحة ليبقى في المنزل نظرا لوجود مولود جديد قد يسلبه اهتمام والديه الكامل.

ـ حب السيطرة والرغبة في الإنتقام: وغالبا ما تكون هذه ردة فعل على أذى نفسي أو جسدي، كأن يكون طالبا متفوقا قد آذاه بشعوره أو حتى آذاه طالب آخر جسديا.فيتحين الفرصة لتلفيق اتهام ما لمن آذاه، فيشكو لأهله ومعلميه بأسلوب مقنع بغية الأنتقام ، ليشفي غليله ويريح نفسه.

ـ العناد: قد يلجا الطفل أو الطالب للكذب، لتحقيق ما يريد و يطلب من أهله أو معلميه، في وقت يرفض هؤلاء تلبية مطلبه الذي يصر عليه، فيلجا للكذب بإضافة معطيات جديدة تمكنه من تحقيق عناده للحصول على أو تحقيق الأمر.

ـالكذب التخيلي: وهو نتيحة سرحان الطالب او الطفل في تفاصيل الخيال الذي يريحه، فيخلطه بالواقع ويسقطه عليه سردا وتفصيلا. بحيث يعمد إلى إلصاق صفات بشخصيات مثلا، فيزيدها صفات سلبية أو إيجابية ، في واقع مغاير لما هي عليه. ويتماهي بها تماهيا كاملا يجعله يصدق ما ابتدعه خياله.

ـ التقليد والتماهي بالآخرين: لدى الطالب قدرة ملاحظة قوية، يستطيع من خلالها تعرية التصرفات للأشخاص المتعاملين معه، فيعرف من يلاطفه زورا، أو يحاول إقناعه زورا كذلك.كما أنه قد يراقب تصرف أحد الوالدين لناحية خلق الأعذار للآخرين، او الكذب لتحقيق مصلحة معينة...فيقوم بالتالي بتقليد ما رأى ويسقطه على واقعه تماهيا بغية تحقيق ما يريد.

ما سيق هو بعض الأسباب الأساسية التي تدفع الطالب او الطفل للكذب، وهي من ضمن أسباب متشعبة وإضافية، تختلف وتشتد باختلاف المواقف والظروف.إن التخلص من هذه العادة عند الطفل او الطالب، تتطلب تعاون الكل من اهل ومدرسة، وقد تكون متفاقمة او مرضية فتتطلب تدخل أخصائي نفسي ، وهذه بعض التوصيات دور الأهل:

-الإهتمام بكلام الطفل إذا ما صدق، وإعطاء الحيثية المناسبة للمناقشة والتنويه.

-توفير جو مناسب من الحنان والعطف، بحيث يعلم الطفل او الطاب بأم لديه ملجأ قد يعود إليه محملا بالإنكسارات او الفشل والخيبات ليتداوى دون أن يتردد بالتعبير.

-اتفاق الوالدين على منهج موحد للتربية، من معايير وعواقب وطريقة، بحيث لا يلجا الطفل او الطالب إلى أحدهم لتفهمه، او لتسامحه وعدم مبالاته.

-عدم اعتماد اسلوب التحقيق والتشكيك، بل اعتماد التلقائية وتخفيز الثقة. في المعاملة والسلوك.

-الإبتعاد قدر الإمكان عن المشاكل العائلية، والخلافات، وإعطاء القدوة التي يحتذى بها.

-الاهتمام الإيجابي النفسي، الحسي. والعاطفي بما يقول الطفل، ومحاولة الاستماع وإستيعاب تعبيره عن إحساسه مما يعانيه، والعمل معه على إيجاد المخارج والحلول للمشاكل التي تعترضه.

-إشعاره بالأمن والأمان والتقدير والاحترام.

- إشعاره دوما بثقة بالنفس، وبتوقع الأفضل منه.وعدم إشعاره باليأس من كذبه وعدم الثقة في تخلصه منه.بحيث يعطى الوقت والدعم اللازمين لتخطي مشكلة الكذب دون التوبيخ الحاد والمؤذي.

-إعتماد التوجيه المقنع والغير المباشر، عبر استغلال المواقف لاستنتاج العبر.أو حتى سرد وقائع تدفع باتجاه اعتماد الصدق كصفة مجتمعية راقية ، تؤدي إلى نجاحات راقية وأكيدة... هذا وتلعب المدرسة دورا أساسيا في معالجة الكذب لدى الطالب والتعاطي معه، وقد لوحظ في الفترة الأخيرة، لجوء الطلاب لتشويه الحقائق وقلبها بشكل مطرد، بهدف اسمالة اهلهم وتصوير الواقع المدرسي او العلاقة مع المعلمين والزملاء بما يخدم روايتهم ، ويعزز اهتمام أهلهم بهم من خلال انفعالهم ورفضهم لما يتعرضون له.

-دور المدرسة الأول الذي هو التوجيه، وغالبا ما يكون التوجيه متخصصا، وبحسب الأعمار إذ لكل عمر طريقة وأسلوب. والتخصص في التوجيه يؤدي إلى استخلاص العبر ، عبر تحفيز عمليات الفهم للمضار والعواقب الي يتعرض لها الشخص والمجتمع عامة كنتيجة للكذب. ويكون التوجيه عبر الاستنتاج والأقتناع وسوق أمثال حقيقة وهادفة.

-التواصل التعاوني، والثقة بين الأهل والمدرسة، و المسؤولون عن الطالب، بحيث يعلم الطرفين بأن الهدف هو مصلحة الطالب، وأن مساحة المناقشة بينهم فيها من الواقعية والصدق والاحترام ما يفيده.

-وضع قوانين وتحديد عواقب السلوك الذي قد ينم عن كذب أو غش.

-عدم إغفال او تجاهل السلوك الذي يقوم به الطالب متضمنا كذبا بالقول أو حتى بالفعل.

-منح الطالب وقتا كافيا ليعبر عن نفسه، ومجالا للاعتراف بالخطأ، بعيدا عن الشعور بالإحراج. -قبول اعتذاره، والاستماع منه عن فهمه لأهمية ما قام به، والطريقة التي كان من الممكن اعتمادها لحل الموقف دون اللجوء للكذب.

-تحميله مسؤولية عاقبة تصرفه، بطريقة يتم إيصال الفكرة له، بأن العقاب والتنبيه نتيجة فعله، وهو موجع لهذا الفعل، وليس لشخصه القادر دوما على التصحيح والتقدم.

- تنفيذ القانون تجاه الكل، إن في حال اعتمد الغش، أو التحايل في تقديم وظائفه، أو حتى التسبب لأحد التلامذة باذى نتيجة قول كاذب.

-تقادي استخدام مصطلح الكذب بكثرة، أو نعته به، والتركيز على الفعل الحاصل ومحاولة إصلاحه، وتصويبه بطريقة تضيء على جوانب محببة في شخصية الطالب...

قد يتم اعتماد هذه التوصيات من قبل الأهل والمدرسة، رغم وجود ثغرات صغيرة أحيانا. وقد تؤدي هذه الطرق إلى حل المشكلة وتقليلها ، عبر أسلوب مستدام ومتابع في عملية التربية. غير أنه وفي بعض الحالات، يكون الكذب حالة نفسية مرضية مستعصية، يتحايل الطفل أو الطالب من خلالها دونما توقف. حينها يستوجب الأمر تدخل أخصائي نفسي سلوكي، في متابعة قد تأخذ وقتا ليس بقليل. يقوم من خلالها الأخصائي بالتواصل مع الأهل والمدرسة للإضاءة الكاملة على الموضوع، والإحاطة بالتفاصيل.فيعمد إلى اعتماد جلسات علاجية ويعطي توصيات للمدرسة والأهل، فيكون الحل متكامل الجوانب. إذا ما قاربنا الواقع اللبناني، لوجدنا ان الكذب كسلوك اصبح يشكل الملح اليومي، بدءا بالدولة والمسؤولين، إلى المؤسسات والمدراء والمهن، وصولا للعمال والموظفين، وكامل شراىح المجتمع العائلية الاسرية بمجمل افرادها. وهو يتفاوت بين شديد إلى بسيط، وبين مستفحل إلى عادي وساذج.بحيث أنه مخرج لتغطية الفساد الحاصل في المحتمع ككل، ومظهر من مظاهر الوعود التجميلية، التي ما عادت تنطلي على احد.

وفي غياب المحاسبة، والقانون يستفحل الكذب كوجه من وجوه الفساد، وفي ظل الإفراط الحاصل يجد المواطن أن الطريق إلى نجاته وتحقيقه لما يريد ، هي بالتحايل واتباع نفس أساليب المسؤولين في الدولة. وهذا ما ينعكس بدوره تقليدا واتباعا على محيـطه الذي يؤثر به من موظفين و أطفال و عائلة. وهذه بعض وجوه الكذب التي لا تسع مجلدات لذكرها: الغش في الكثير من نتائج الإمتحانات، في بعض المؤسسات التربوية، بحيث تعطى شهادات مزورة أحيانا، أو علامات تخول الحصول على وظيقة، والنتائج الكارثية تكون عند مزاولة المهنة دون استحقاقها. الغش في الصناعة، واعتماد استخدام نوعيات سيئة والتحايل على المحتوى والوزن... ما يؤثر على صحة المستهلك من ناحية، وتغشه باستغلاله وسرقته من ناحية أخرى. الكذب في التجارة، والتسويق، بحيث توصف المنتجات بما ليس فيها، ويباع التقليد على انه الأصلي... الكذب في الوعود، والغش في تقديم أبسط حقوق المواطن، من طرقات وبنى تحتية على سبيل المثال، التي سرعان ما تظهر عيوبها، رغم أنها تكون قد كلقت أضعاف ما يكلفه العمل المتقن. الكذب في إعطاء الحقوق، وسرقة تعب الناس وغشها عبر التلاعب والتحايل السياسي. التسويق الإعلامي والإعلاني المحمل بأطنان من المعلومات الخاطئة، تستخدم لاستهداف شريحة ما بكم من المغلوطات لتشكيل رأيها، ودفعها باتجاه سلوك معين.... واللائحة تطول لتستهدف الحياة اليومية بكل جوانبها. على ان يستفيق المجتمع من سباته، فيحاسب وينهض، ليعود الحق حقا ، فينزع عن الباطل لباس الزيف الذي يقدمه بصورة الحقّ والـ«شطارة». 

الأكثر قراءة

مدّوا أيديكم الى حزب الله