اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

«تعالوا نأحذ بنظرة جدية إلى الحياة والكون والفن، وبفهم جديد للوجود وقضاياه، نجد فيهما حقيقة نفسيتنا ومطامحنا ومثلنا العليا... فهم يرفع الأنفس إلى مستوى أعلى ويمكننا من إدراك حيز جديد من النظر النفسي مشتمل على مثل عليا جديدة، تتبلور فيها أماني الحياة وأشواقها المنبثقة من خصائص نفسيتها الأصيلة»، هذا ما قاله أنطون سعاده.

لعل هذه النظرة المدركة تؤكد أن عالم الفنان الروحي مرتبط بشكل مباشر بكينونته ووجوده الإجتماعي والتاريخي، وقدرته في نقل هذا الوجود إلى صور فنية نابضة.

في مزيج من التعبير والألق، تنقلنا كتابات ولوحات استفاضت بمكنونات اللون والخطوط، إلى واقع محسوس تتشابك فيه معالم الروح والمادة، بانسجام تام، وتقتحم زوايا الفكر لتطلق العنان للحقيقة الممزوجة بقدرات الخيال.

شوقي دلال الفنان التشكيلي والناقد الفني، رئيس ومؤسس «جمعية ومحترف الفن التشكيلي للثقافة والفنون»، ومؤسس ورئيس صالون «إنانا» الثقافي، أمين عام تجمع البيوتات الثقافية في لبنان... والشاغل لمراكز ومسؤوليات متعددة في مجال الفنون والثقافة، محليا وعربيا وعالميا، أستاذ مادة الرسم والفنون الجميلة في جامعة جويا، نظم وشارك في معارض عديدة ومتنوعة، وأنجز مطبوعة تناول فيها رسومه بالدراسة والتحليل محليا وعالميا... تحدث لـ «الديار» على مشروعين وهما: «بيروت لون للحياة» و«أبجدية إنانا».

* لقد جسدت لوحاتكم في عدة معارض محلية وعربية، معالم بلدان وحضارات مختلفة، ما الجمالية أو الرسالة التي أردتم إيصالها؟ وعلام تعتمدون في اختيار المعالم والشخصيات والألوان؟

- أستشهد بأحد الأمثلة: «عندما نصور نجمل الزمن»، ونحن نقول بأننا عندما نرسم نحرك الزمن. فلأن الفن فعل حياة وفعل ارتقاء، يكون غاية في التعبيرعن روح الأمة وروح الشعوب. ولذلك، حين أطوف بلوحاتي في البلدان والمعارض، وآخرها ما رسمته تحت عنوان «نزهة في اللون العربي»، حيث رسمت عن كل بلد عربي لوحة من تراث هذا البلد وتاريخه، فهو رسالة لنقول أن الفن ليس له حدود ومكان وزمان، بل أن الجمال مطارد للجمال، لأنه منتجه. لذا فلقد رأيت في كل بلد جمالية تختلف عن جمالية الآخر، فللأمكنة سر، والفن هو ذاكرة المكان المتحركة، كي يبقى مغروسا في أذهان الشعوب، وأذهان أجيال لم تولد بعد.

* الفن يجسد الأفكار وحنايا الفكر والروح في المادة واللون والصورة. أخبرنا عن قلمك وريشتك، أيهما الأقرب للتحدث عنك؟ وكيف يتكاملان ليوصلا الفكرة عن اللوحة؟

- إن التعبير عن الجمال يختلف بين إنسان وآخر، والإنسان لا يكون إلا بالفن، بحيث لا يوجد شخص غير معني بالفن. فنحن ننتقي كافة احتياجاتنا على أساس فني، نميز فيه بين اختياراتنا بالجمالية التفضيلية التي تتركها لدينا. لذا نجد أن اللوحات مفتوحة على التأويل، وهذا ما يفسر كيف يعطيها كل شخص تفسيرا وتأويلا غير الآخر. ومن هنا كان كتابي و»الشيء بالشيء يذكر»، الذي هو محاكاة بين الكلمة واللوحة، فاخترت الكلمة التي هي شيء وأشياء لتكون مفتوحة على التأويل كما الفن، فيحاكي النص اللوحة وتحاكي اللوحة النص في مقاربة جديدة.

* ماذا عن مشروعك الفني»بيروت لون للحياة». أي ألوان تنقص بيروت برأيكم ليعود ويزهو اللون فيها؟

- «بيروت لون للحياة»، مشروع بدأت برسمه منذ ما يقارب العشر سنوات، فالزحف العمراني امتد ليزيل الأبنية التي ترصد ذاكرة المكان، ومن هنا نرى أن العديد من المنازل والأبنية في بيروت هدمت وتهدم معالمها، لتأخذ مكانها أبنية تشاد لغايات اقتصادية. وعليه فقد وجدنا غلبة الحس النفعي على الحس التراثي، فكان هذا المشروع لرسم هذا التراث الذي سكن في ذاكرة الأجيال الماضية والذي بقي لفترة زمنية طويلة. فقد جسدت هذه الأمكنة لقاء اللبنانيين، كالبلد مثلا، وأتى التطور العمراني ليزيلها. فاستعنت بريشتي لأقول بأن ذاكرة الناس ستبقى من خلال الفن، حيث أن الفن خير معبر عن قضايا المجتمع.

لقد رسمت لغاية اليوم مئتي لوحة لبيروت، عن الفترة الممتدة من ستينيات القرن الماضى وحتى العام 2005، جسدت فيها ما عشته واختبرته خلال سكني في بيروت لأكثر من عقدين، وهو ما أعطاني هذا الرصد والرصيد التراثي والفني كي أرسم هذه الذاكرة. مثلا أنجزت لوحتي»سوق النورية»، رسمت المكان بروحيته وألوانه الجميلة، مزجت بين طيف الناس الذين لم أحدد ملامح وجوههم، وبين طيف المكان العمراني الذي لم يعد موجودا. فمن هنا نجد أن اللوحة ليست مشهدية تصويرية للواقع، بل هي سفر يأخذك بالخيال لتختبر روحية هذا المكان وكأنك عشت فيه.

* أبجدية «إنانا»، كيف تصقل هذه الأبجدية الحس الوجداني، والنظرة ألى الفن والحياة؟

- أبجدية «إنانا» مشروع انطلق مع بداياتي الفنية، أي ما يقلرب الثلاثة عقود. وددت من خلالها أن أقول أنه كما هناك أبجدية للكتابة، هناك أبجدية للرسم. وإنانا كما نعلم هي إلهة الحب عند السومريين القدماء، وهي من تراث أمتنا الحي الضارب في التاريخ، الذي يعود لما قبل أربعة آلاف عام. جسدت إنانا في لوحتي بالعصفور، فتراه متنقلا في كل جوانب اللوحة مجسدا الحب. أردت من خلاله أن أقول أن وظيفة الفن تكمن في الارتقاء بالحياة، وتعميم الحب والمحبة فيها، فكما يقول الفنان مصطفى فروخ» حين نعمم الفن بين أبناء بلادنا، لن نعود بحاجة ألى قوى مسلحة»، بحيث أنه يوم ترتقي المجتمعات إلى درجة الجمال الفني، تعيش وتحافظ على القيم والأخلاق والمناقب الاجتماعية الرفيعة، فتزول الخلافات في كافة النواحي. فمن هنا أتت أبجدية إنانا، لتكون هذا المشروع الارتقائي في الجمال من خلال الحب، إذ نعلم أننا لا يمكن أن نرى أي شيء في الطبيعة والكون ذا دلالات عميقة إلا وارتبط وانطلق من الحب، بما في ذلك علاقة الإنسان بخالقه. 500 لوحة رسمت حتى اليوم ضمن «أبجدية إنانا»، وهناك أعمال قيد الأنجاز والاكتشاف في هذه الأبجدية التي لا تنضب من الجمال والروعة، حيث أعتبر أن سطح اللوحة أوسع من سطح الأرض، فأطوف مع إنانا في هذا العالم الرحب المشبع بالحب وسأبقى إلى أن نلتقي في يوم من الأيام.

* ماذا عن اللون الأصفر، وما هي فلسفتك الخاصة المرتبطة بهذا اللون؟

- في الواقع، ومنذ بداياتي الفنية، كان توجهي الفني من خلال اللون ينطلق دوما وبشكل غير مقصود من اللون الأصفر. بدأت بعدها ثقافتي الفنية تنمو من خلال الاختصاص وتعمقي في مدارس الفن وتوجهاته وفلسفة اللون. فوجدت أن اللون الأصفر له دلالات عميقة جدا. وبناء عليه أطلقت عبارة «في البدء كان الأصفر» لما يمثله من أساس لكل الألوان. فاليباس الموجود في الطبيعة في فصل الصيف أصفر، وورق الخريف أصفر، أما عري الطبيعة في الشتاء لهو اصفرار دائم، وحتى اخضرار الربيع ينطلق من فلسفة اللون نفسه، فاللون الأخضر ما هو إلا امتزاج الأصفر والأزرق. من يشاهد لوحاتي بالإجمال، يرى أن اللون الأصفر لونا طاغيا عليها. وهذا ما حذا بالشاعر الراحل سعيد عقل لمنحي جائزته لعام 1999 وأسماها «سيمفونبة الأصفر». لا زلت وسأبقى أبحث في جوانب وأسرار هذا اللون كي أثبت أكثر وأكثر عن نظريتي تجاهه بأنه أساس الألوان وانطلاقة تكوينها.

* ماذا أردت أن تحقق من خلال تأسيس جمعية المحترف التشكيلي للثقافة والفنون؟ ماذا أنجز؟ وماذا بعد؟

- أطلقت جمعية المحترف الفني للثقافة والفنون نتيجة هواجسي التي عشتها كإبن ريف في راشيا الوادي، بأن الفن في الريف فن مغمور، وبأن الفنانين في الريف يكاد يكونون على هامش الحياة الفنية لغياب الأطر التي تحتضن الفن والفنانين ولغياب صالات العرض. فأطلقت فكرة الجمعية، وربطها بالفن التشكيلي عام 1992 بعد انتهاء الحرب، تحت شعار أن نزوح الأمس كان من الريف إلى المدينة، أما اليوم فعلينا أن نسعى إلى عكسها. ومن هنا بدأنا بنشاط الجمعية، فاستضفنا مئات الشخصيات الثقافية والفنية والإبداعية على مستوى لبنان والعالم العربي، وقد كان لنا محطات جدا مهمة أضأنا فيها على العديد من الفنانين والكتاب والشعراء، وأقمنا النشاطات الفنية التي لها علاقة بتنمية الحس الفني عند أبناء شعبنا، من خلال مسابقة رسم أقمناها على مدى عشرين عاما لجميع مدارس وجامعات لبنان، أجرينا بخصوصها احتفالات في قلعة الأونيسكو ،وقدمنا الجوائز، واكتشفنا طاقات فنية كبيرة، تابعناها هذا وأحذت الجمعية على عاتقها إصداركتب لكتاب ومبدعين متعثرين ماديا، وهم كثر في الريف. وقد طبعنا على مدار 12 عاما بمعدل عشر كتب سنويا لكتاب مختلفين من كافة المناطق اللبنانية. هذه هوية لبنان، هوية مبدعيه، وليست هوية السياسيين الذين يشوهونه، واستعين بقول لأحدهم: «الفن إلى المتحف والسياسة إلى الجحيم».

وأقمنا لها المعارض.

الأكثر قراءة

مدّوا أيديكم الى حزب الله