اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

موجات حرّ متتالية تسللت إلى لبنان منذ مطلع آب الماضي حتى اليوم، وسط جفاف أوروبي عام، فيضانات غيرمسبوقة نكبت باكستان مؤخرا، وقبلها أوستراليا وجنوب أفريقيا، العواصف الشتوية في شباط أوروبا وعواصف البَرْد في فرنسا وسواها.

هي بعض من آثار التغيّر المناخي في العالم، في خضّم توقعات للأمم المتحدة في تقرير لها في تموز الماضي، بأحداث كارثية بشكل متكرر أكثر في المستقبل نتيجة الجفاف ودرجات الحرارة القصوى، وقدرت أنه بحلول عام 2030 سنواجه 560 كارثة حول العالم كل عام، أي بمعدل 1,5 كارثة يوميا، كما تكبّد العالم في النصف الأول من عام 2022 خسائر اقتصادية بسبب الكوارث الطبيعية بلغت 72 مليار دولار، حسبما أعلنته شركة التأمين السويسرية "سويس ري" (Swiss Re) في تقديرات نشرتها أوائل آب الماضي.

فما هو نصيبنا من هذا التغيّر المناخي في لبنان؟ هل انتهينا من موجات الحرّ؟ وماذا عن ملامح شتائنا المقبل؟ وهل هو متطرف كما حال اقتصادنا؟

شجرة الأرز أبرز الضحايا

إذا آثار الإحترار العالمي تعيث كوارث في العالم، ولبنان بطبيعة الحال تأثّر، وإن لم تكن التأثيرات على تلك الصورة المتطرّفة التي ضربت دول العالم الأخرى.

المستشار في سياسات تغير المناخ والخبير البيئي وائل حميدان بداية، شرح لـ"الديار" طبيعة التغيّرات المناخيّة في لبنان وتأثيراتها، فاكد على ضرورة التمييز بين المناخ والطقس، فالمناخ لا يحدّد بشكل فصلي أو خلال وقت معين كما الطقس، فهو معدلات تسجّل عبر عقود مثلا كميّة هطول الأمطار، الثلوج، قوة الرياح، معدل الحرارة والجفاف وغيرها، مشدّدا على أنّ لبنان متأثر كثيرا بتغيّر المناخ، ومنذ سنوات نرى تأثيراته بشكل قوي وخطير جدا، منها زيادة بالجفاف بشكل عام، وانخفاض في كمية وكثافة هطول الثلوج على الجبال وذوبانها بسرعة أكبر من السابق، ما يؤثّر بدوره على الثروة المائية، ومن الآثار توسع فصل الحرائق من 3 إلى 6 أشهر وأكثر أحيانا، وازدياد حدّتها التي ستتفاقم مع استمرار تغيّر المناخ.

ولفت إلى أنّها المرّة الأولى التي نشهد فيها حريقا في غابة أرز تنورين، إضافة إلى تأثيرات تتعلّق بازدياد نوع الحشرات المضرة بالزراعة والثروة الحرجية، منها حشرة "سيفالسيا تنورين (Cephalcia Tannourinensis) " التي سميّت بهذا الإسم لاكتشافها في غابة تنورين، وهي تتغذى على "أبر شجر الأرز" وتفتك به، وتحتاج حرارة عالية لتتكاثر، محذرا من أنّه إذا لم تتّم معالجة موضوع تغيّر المناخ عالميا، ولم يتوقّف، سنخسرعلى المدى البعيد كل الثلوج وستنقرض شجرة الأرز اللبنانية.

هل ستختفي الفصول أم تتبدّل؟

من ناحية الحرارة والجفاف وحدّة فصلي الصيف والشتاء في لبنان، يجزم حميدان أنّ الفصول لن تختفي، ولكن تظهر دراسات علمية أنّ كمية هطول الأمطار في لبنان ستنخفض وتوزيعها سيتغيّر، وستحصل زيادة في الجفاف وانخفاض بكمية الثلوج وكثافتها، معتبرا أنّ لا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحصل الفصل القادم، فهذا يتعلق بالطقس وليس بالمناخ، وحتى خبراء الطقس يتوقعون لأيام قليلة قادمة تبعا للضغط الجوي، أو لعدة أسابيع كحدّ أقصى، ولا يستطيع أحد أن يعرف كيف سيكون الطقس بعد عدّة أشهر، لأنّ ذلك يتعلق بعوامل كثيرة تتغير بشكل سريع، ومناخيا، مقارنة بالسابق، هناك ارتفاع حوالي درجة مئوية بحرارة الكرة الأرضية التي كانت مستقرة عبر العصور على درجة معينة والتي تحدث كل هذه التغييرات التي نراها في أوروبا وأماكن أخرى من العالم.

هل انتهت موجات الحر؟

رئيسة قسم التقديرات العلوية في مصلحة الأرصاد الجوية في مطار رفيق الحريري الدولي جوسلين أبو فارس، أشارت لـ"الديار" إلى أنّ صيف لبنان 2022 كان معتدل الحرارة وما دون معدلاته الموسميّة حتى منتصف شهر آب، مع نسبة رطوبة مقبولة، إلى أن تأثرنا بعد منتصف آب بموجة حرّ مصدرها الخليج العربي أدت الى تخطّي درجات الحرارة في بعض المناطق 5 درجات مثل طرابلس وأكثر منها في البقاع، وما زاد الأمر سوءا هو دخول الكتلة الرطبة فوق لبنان، بسبب المنخفض الموجود فوق الجزر اليونانية، فكانت الرياح شمالية غربية تحمل الرطوبة، -علما أنها كانت خفيفة- وأدت لزيادة في الحرارة المحسوسة، أي إذا كانت الحرارة 29 درجة في الظل، مع نسبة رطوبة تبلغ 75 %، فإنّنا نشعر الحرارة وكأنّها بحدود 43 درجة، ولكن لحسن الحظ فإنّ الحرارة القصوى كانت تترافق مع نسبة الرطوبة الأقل خلال اليوم، بمعنى كانت النسبة الأعلى من الرطوبة خلال الليل، فيما النسبة الأدنى كانت تسجّل نهارا، بنسبة تتراوح بين 60- 65% إلى 85%-90%.

هل انتهت موجات الحر؟ تجيب أبو فارس بتعريفها بداية ماهيّة موجة الحرّ بأنّها عندما تتخطى الحرارة 10 درجات عن معدلاتها الموسمية من 3 أيام وما فوق، أو 5 درجات من 5 أيام وما فوق، كاشفة أنّ موجات الحرّ لم تنته، إذ تمرّ بين تشرين الأول وتشرين الثاني عدة موجات حرّ خاصة وأنّنا نشهد في لبنان درجات حرارة بين التشرينين وأيضا أيلول أعلى من شهري آب وتموز، ولا تزال هناك موجات حر أخرى في "تشارين".

ملامح الشتاء

حول ملامح فصل الشتاء، تعتقد أبو فارس ترى أنّه قاس، خاصّة أنّه سيأتي حرارات مرتفعة، حيث ستكون المنخفضات قوية في أوروبا، وستؤثر على لبنان وفي الوقت نفسه هناك تأثير للمنخفضات الداخلية من الخليج العربي التي ستحمل معها حرارة مرتفعة، وبوجود الحرارة العالية والرطوبة العالية كذلك، ستكون ظاهرة البرق والرعد والعواصف قاسية وحادّة لهذه السنة، لكن كميات أمطار ستكون متوسطة، وفي حال حدوث منخفض خاصة المنخفضات التي تحصل بين تشرين الثاني وكانون الأول، والتي تكون قاسية عادة، ويمكن أن تتسبب بسيول وحبات برد كبيرة، على أنّ السيول تتشكّل لأنّ "المجاري" لا تكون قد نظفت كثيرا، متمنيّة على البلديات تنظيفها بقدر المستطاع، حتى اذا أمطرت بقوة تستطيع المياه المرور بها ولا تسبّب سيولا على الطرقات.

كإجراءات وقائيّة، أطلقت أبو فارس تحذيرات خلال الشهرين المقبلين، أبرزها خطر إندلاع الحرائق في المناطق الحرجية خاصة، لأن الأعشاب يبست كفاية، والأرض جافة، وكذلك الأغصان، وسيؤدي لاشتعالها أقلّ مسبّب للحرائق، ويمتد مع الرياح الناشطة، تزامنا مع التغيير المناخي الذي يحصل بين فصل وآخر، بالاضافة الى تحذير يتعلّق بضرورة تنظيف القنوات المائية لتجنّب السيول على الطرقات خلال الشتوة الأولى.

خلاصة القول.. لحسن الحظ، لم يفتك التغيّر المناخي في لبنان كما فعل في كثير من دول العالم، على أنّ مؤشراته واضحة المعالم منذ سنوات طوال، ولعلّ أخطر ما في الأمر إن تطرّفت هذه المؤشرات، هو عدم جهوزية الدولة لمواجهة أي "حريق أو غريق"، وسط خشية من عطش يمكن أن يهدّد بلد المياه وخزان الشرق الأوسط "لبنان"، نتيجة سوء إدارة مزمنة لهذا الملف، فالحرب المقبلة هي حرب المياه، فاقتضى التحذير!


الأكثر قراءة

لا تغيرات كبيرة في المشهد الرئاسي اليوم... والعين على موقف باسيل عطب كبير يصيب «الحزب» و«التيار»... وبري وميقاتي وجنبلاط لن يتراجعوا الراعي يلتقي ملك الاردن ويوجه كلاما لاذعا الى المسؤولين اللبنانيين