اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يُجمع الكثيرون في الداخل والخارج على أنّ الوضع العام الكارثي في لبنان لن يستوي إذا ما تشكّلت حكومة جديدة وجرى انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية. فالأمر يتعلّق بضرورة «تغيير النظام الدستوري» في البلاد بهدف سدّ بعض الثغر المعطِّلة للحياة السياسية والتي غالباً ما تنعكس سلباً على الوضع الإقتصادي والمعيشي، بحسب ما أظهرت التجارب السابقة. ولكن بدلاً من السعي الى عقد «مؤتمر حوار وطني جامع»، أو الدعوة الى «مؤتمر تأسيسي» لتعديل الدستور بما يضمن تجنّب التعطيل عند كلّ استحقاق، أو المضي في خلافات داخلية تتعلّق بالإجتهاد وبتفسير بعض مواد الدستور، قبل الإستحقاقات المقبلة، صدر على هامش إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس، بيان عن وزراء خارجية كلّ من أميركا وفرنسا والسعودية، رسم خارطة الطريق للبنان في المرحلة المقبلة. وركّز البيان على ضرورة «الإلتزام باتفاق الطائف المؤتمن على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي في لبنان»، الأمر الذي أطاح فكرة «تغيير النظام أو تعديله» برمّتها، في حال تقيّد السياسيون في الداخل بمضمون هذا البيان.

مصادر سياسة مطلعة رأت أنّ مضمون هذا البيان الذي شاركت فيه فرنسا، أظهر أنّها توافقت مع أميركا والسعودية أخيراً، الأمر الذي جعلها تبدّل رأيها. فيما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن في فترة سابقة، وتحديداً بعد انفجار بيروت في 4 آب 2020، بأنّ الحلّ المناسب للبنان هو «عقد سياسي جديد». فالالتزام باتفاق الطائف، على ما نصحت الدول الثلاث، يعني إقفال الباب أمام أي دعم منها لعقد المؤتمر التأسيسي الذي يهدف بالدرجة الأولى تعديل ما يجب تعديله في «وثيقة الوفاق الوطني»، من تحديد المهل، وإمكانية حلّ مجلس النوّاب، وإلغاء الطائفية السياسية، وما الى ذلك، تلافياً لمأزق تعطيل الحياة السياسية في البلاد أمام كلّ إستحقاق.

غير أنّها أشارت، في الوقت نفسه، الى أنّ دعوة المسؤولين الى الإلتزام بإتفاق الطائف، قد يفتح الباب بالتالي أمام استكمال تطبيق ما لم يُنفَّذ من بنوده الأساسية مثل إنشاء مجلس الشيوخ، أو تطبيق اللامركزية الإدارية الموسّعة التي باتت مطلوبة بإلحاح اليوم، فضلاً عن إلغاء الطائفية ليس فقط من خلال شطبها عن الهوية، على ما اعتُمد، إنَّما من النصوص كما من النفوس، لكيلا يبقى هذا البلد مُهدّداً بنزول شارع مقابل شارع عند حصول التجييش الطائفي أو الحزبي.

كذلك لا يجب أن ننسى أنّ ثمّة فريقا سياسيا مؤلّفا من «حزب الله» و»حركة أمل» والحلفاء، على ما أوضحت المصادر نفسها، لن يجد نفسه مجبراً على التقيّد بمضمون هذا البيان، بغضّ النظر عمّا إذا كان موافقاً أو غير موافق على مضمونه، كونه يُمثِّل المحور الذي يختلف سياسياً مع الدول الثلاث التي أصدرته وجعلت منه خارطة طريق للبنان. فيما بإمكان هذا البلد تقرير مصيره بنفسه، في حال توافق المسؤولين فيه مع بعضهم بعضا وتخلّوا عن سياسة المحاور.

وتساءلت المصادر السياسية، إذا ما كان الالتزام بالطائف، في ظلّ عدم نضوج الظروف الدولية والإقليمية، يكفي لبنان لاستعادة عافيته وتحسين وضعه الإقتصادي والمالي والمعيشي، اذا ما استمرّ الحصار الأميركي المفروض عليه؟ وهل على لبنان أن يستمرّ على وضعه الحالي المنهار على مختلف الصعد، في انتظار التسويات الأميركية- الإيرانية التي تعثّرت، والسعودية- الإيرانية، والأميركية- الروسية التي قد تطول لسنوات إذا ما بدأت اليوم قبل الغد؟! وهل تشديد البيان بالتالي على «أهمية إجراء الإنتخابات الرئاسية في موعدها المحدّد وفق الدستور اللبناني، وانتخاب رئيس يمكنه توحيد الشعب اللبناني ويعمل مع الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية لتجاوز الأزمة الحالية»، يمكن أن يحصل في حال بقيت البلاد منقسمة الى محورين، الأول أميركي- فرنسي- سعودي، والثاني روسي- إيراني- سوري؟!

من هنا، تجد أنّه ليس من اهتمام دولي فعلي بلبنان حالياً، فالدول الكبرى منكبّة على معركتها ضدّ روسيا اتي تهدّد باستخدام الأسلحة النووية الصغيرة والتكتيكية، ولكن ما يُنبّىء بإمكان وقوع حرب عالمية ثالثة، في حال استمرّت الخلافات الدولية السياسية على حالها. علماً بأنّ هذه الدول قد لا تضع الفيتو، على أي اسم يجده التوافق الداخلي مناسباً للمرحلة المقبلة مثل إسم رئيس «تيّار المردة» سليمان فرنجية، حتى ولو كان محسوباً على «حزب الله»، كونه شخصية غير صدامية. كما أنّها قد تشجّع على انتخاب قائد الجيش العماد جوزف عون، في حال دخلت البلاد في مرحلة الشغور الرئاسي، وتمكّن من الإمساك بالوضع الأمني ومنع تدهوره. علماً بأنّ المادة 49 من الدستور تنصّ على أنّ «رئيس الجمهورية يُنتخب بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويكتفي بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي». وهذا يعني أنّ فرنجية أو عون أو سواهما يحتاج كلّ منهما الى تأمين 85 صوتاً في مجلس النوّاب في الدورة الأولى، والى تأمين النصاب القانوني في الدورات التالية لتأمين الغالبية المطلقة أي لتأمين 65 صوتاً.

وحتى الساعة، يبدو من الصعب توافق الكتل بنسبة 85 صوتاً على أي من الأصوات المطروحة لرئاسة الجمهورية، على ما شدّدت المصادر عينها، ما يشير الى وصول البلاد الى مرحلة الشغور الرئاسي بعد مغادرة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قصر بعبدا في 31 تشرين الأول المقبل وعودته الى الرابية. غير أنّه يُمكن القول انّ اتخاذ قرار تشكيل الحكومة الجديدة، قبل مغادرة عون، من شأنه وقف الإشتباك الدستوري الذي كان قائماً طوال الأشهر الأخيرة حول من يتولّى قانونياً ودستورياً، صلاحيات الرئيس خلال مرحلة الشغور، وإمكانية قيام حكومة تصريف الأعمال بمهام الرئيس أو عدمها.

وذكرت بأنّه بات من المؤكّد أنّ ميقاتي سيُشكّل حكومة كاملة المواصفات، في شهر تشرين المقبل، من خلال تعديل أسماء 3 أو 4 وزراء يتولّون وزارات المال والخارجية والمهجّرين، وربما الطاقة، بالإتفاق والتنسيق مع الرئيس عون. فوجود حكومة أصيلة من شأنه تسهيل مرحلة الشغور الرئاسي، لا سيما إذا ما دامت لأشهر، فضلاً عن إمكانية توقيع اتفاقية الترسيم البحري، والاتفاق مع صندوق النقد الدولي. علماً بأنّ توقيع لبنان لاتفاقية الترسيم وبدء عمل «توتال» في بلوكاته البحرية قد يغنيه عن توقيع الإتفاق مع الصندوق، في حال تمكّن من الحصول على هبات أو مساعدات خارجية تسهم في تحسين وضعه الإقتصادي سريعاً في انتظار عائدات ثروته النفطية.

الأكثر قراءة

لا تغيرات كبيرة في المشهد الرئاسي اليوم... والعين على موقف باسيل عطب كبير يصيب «الحزب» و«التيار»... وبري وميقاتي وجنبلاط لن يتراجعوا الراعي يلتقي ملك الاردن ويوجه كلاما لاذعا الى المسؤولين اللبنانيين