اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

 «لو ولد بنيتو موسوليني امرأة لكان جورجيا ميلوني». مثله طفولة ضائعة. أب يساري من سردينيا وأم يمينية من صقلية (ربما تتحدر من أصل عربي). في السنة الأولى من عمرها ترك الأب فرنشيسكو العائلة الى جزر الكناري. من هنا بدأت كراهية جورجيا لكل الآباء، ولكل اليسار لتتجه يميناً، ثم الى يمين اليمين.

العقدة الفرويدية لا تزال تلاحقها حتى الساعة. عملت بائعة خضار، كذلك ساقية في واحدة من أهم حانات روما . وكانت تحلم أن تؤدي مثل جينا لولو بريجيدا رقصة الغجرية زيغاريلا، أو أن تكون لها ساقا كلوديا كاردينالي.

من حي غارباتيلا، وحيث السكارى يحطمون الكؤوس على أبواب المنازل البائسة، الى مقر رئاسة الحكومةPlazzio Chigi ، ولكن الى أي مدى تشبه موسوليني الذي اذ أنشأ فرقة «القمصان السود»، كان يرى أن العنف الذي يصنع التاريخ انما يصنع الأمبراطورية.

هكذا أرغم الشيوعيين على تناول زيت الخروع بعدما هزمهم في الشوارع عام 1922 . ابان المراهقة، كان يرشق الذاهبين الى القداس بالحجارة . وحين كانت أمه تصطحبه الى الكنيسة كان يتقيأ من رائحة البخور. ذات مرة، ومن باحة الكنيسة، دعا الكاهن، ثم الله، الى المبارزة بالسكاكين ليقضي نحبه برصاصة، وهو معلّق بقدميه غداة هزيمة الجيش الايطالي في الحرب العالمية الثانية .

هل تغيّرالزمن كثيراً في أوروبا؟ الصحافيون اليساريون في روما الذين يلاحظون أي ضائقة اقتصادية، وحتى سيكولوجية، تعيشها القارة بسبب «القهر الأميركي»، لا يستبعدون أن تنتقل العدوى من ايطاليا الى ألمانيا، بعدما حدث العكس في الثلاثينات من القرن الفائت، وصولاً الى فرنسا، وحيث مارين لوبن تنتظر لحظة الدخول الى الاليزيه لا الى الماتينيون.

فوبيا الغرباء. وباء شائع في أوساط أوروبية تتناسى أن ثراء دولها يعود الى الاستنزاف المروع لثروات هؤلاء الغرباء . ايطاليا كانت مختلفة نسبياً، ان بثقافة البورتوفينو أو بالمزاج المتوسطي الذي يميل الى الرومانسية «حيث القمر كعاشق يدق على باب شهرزاد»، كما كتب لويجي بيراندللو .

لن يعود هناك من مكان لـ»الدولتشي فيتا»، أي الحياة اللذيذة . في عصرنا، وهو عصر اللهاث. المثقفون الايطاليون يتخوفون من الانزلاق، عبر الايقاع الهيستيري للايديولوجيا الى «الأماروفيتا»، أي الحياة المرّة، خصوصاً اذا وجدت في بلادهم امرأة بشاربي أدولف هتلر. أنثى الدوتشي هنا وأنثى الفوهررهناك .

كان يفترض بميلوني أن تكون ضد الأمبراطورية الأميركية، ليس بسبب الموزاييك الاثني والثقافي، وانما بسبب محاولتها استنساخ الأمبراطورية الرومانية (هكذا كان يقول موسوليني) . لكنها أعلنت وقوفها الى جانب الغرب في أوكرانيا . هذه ذروة الزبائنية لادراكها أن مناهضة البيت الأبيض تعني أن أسواقاً كثيرة ستقفل في وجه المنتجات الايطالية .

الطريف أن ميلوني لم تكن مأخوذة بأميركا، وان أعجبت لفترة بدونالد ترامب، قبل أن ترى فيه الكاوبوي الذي بدل أن يقتحم الحانات الخشبية في الغرب الأميركي، رأته الكاوبوي الذي يقتحم بالعصي وبالسكاكين تلة الكابيتول.

المشكلة أن ايطاليا (تذكروا أنها بلد مايكل انجلو وليوناردو دا فنشي ) بمثابة الواحة للهاربين من ليل الصفيح في بلدانهم . ماذا يحصل لهؤلاء الذين ترى فيهم رئيسة الحكومة (أول امرأة تشغل هذا المنصب في ايطاليا) الأرواح الشريرة التي دمرت روما . لاحظوا أي بربرية تلك حين يتقاطع التاريخ مع الايديولوجيا، على ذلك النحو العشوائي في رأس امرأة؟

ألهذا يكتب عازف جاز على جدار منزله في البندقية، وبعد ظهور نتائج الانتخابات، «كم هي حزينة البندقية !» مستعيداً عنوان الأغنية الشهيرة لشارل أزنافور؟ الكاتب أمبرتو ايكو تحدث عن «عقدة سبارتاكوس» لدى غلاة أهل اليمين في ايطاليا . الزنجي الذي ثار ضد روما وانتصر على كل جيوش الامبراطورية، قبل أن يهزمه كراسوس، وينصب الصلبان على طول الطريق الى روما، وقد علّق عليها من بقي على قيد الحياة من الزنوج .

صحيفة «كوريرا ديلا سيرا» الليبرالية كتبت عن «ذلك القداس الجنائزي» على روح اليسار الذي ووري الثرى منذ أن دقت أجراس الكنائس في الكرملين... «وحل الصليب محل النجمة الحمراء».. !

الأكثر قراءة

هل قطع باسيل الطريق على فرنجية رئاسياً ما اعطى جوزاف عون الحظ؟ هل تنجح محادثات ماكرون ــ ابن سلمان في التوصل الى مرشح توافقي في لبنان؟