اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


قصدته لأجل أمر قانوني طارئ يعنيني ويعني اهل منطقتي فاستقبلني بحفاوة نادرة ولباقة استثنائية وابتسامة نادرة. ظننت نفسي ولو للحظة انني أمين المؤمنين في ضيافة هارون الرشيد.

بدا لي في بداية الأمر أنه رجل قانون من طراز رفيع ومن معدن نادر وان لياقته هذه ليست وليدة الساعة بل انه تمرس عليها وامتهن الذوق واللباقة منذ زمن لأكتشف لاحقا انها عدة الشغل وسر المهنة!

كتب موريس لوبلان منذ اكثر من قرن مجموعة قصص قصيرة بعنوان: "Arsène Lupin اللص الظريف".

تتناول مغامرات ارسين لوبين التي تدور احداثها على متن سفينة، يتم اختفاء مجوهرات ثمينة عليها وكيف أن الشرطة تقوم بالتحقيق للكشف عن السارق لتكتشف انه محترف لبق وتقوم بعدها في البحث عنه ومطاردته وكيف انه كان ينجو دائما لإعتماده اللباقة في التعاطي مع الآخرين لإبعاد الشبهات عنه وامتهانه الظرافة وخفة الدم والدهاء.

اردت من ذكر قصة ارسين لوبين الربط بين ما رأيته من ذاك القانوني الظريف وما قد قرأته في مغامرات لوبين، لأكتشف أن ارسين لوبين تميز بالنبل والشرف والشهامة والمروءة وكيف انه يسخر كل طاقاته للكشف عن الجرائم وتعقب الجناة وتقديمهم الى العدالة لإحقاق الحق، وبالمقابل اكتشفت كيف ان صديقنا رجل القانون هذا، يستعمل عدة لوبين كاملة ولكن لأهداف كليا مغايرة، اي انه سخر كل ظرافته ولباقته ودهائه لمصلحته الشخصية ومصلحة اتباعه لكسب المال بطرق ملتوية يبدو ظاهرها سويا لكن داخلها نتن معفن!

للأسف نحن نعيش على متن سفينة قبطانها لص ظريف انيق بربطة عنق غالية الثمن وطاقمها من نفس طينة قبطانها، يمتهنون العبث بالارزاق والاعناق وبكنوز هذه السفينة، بل واكثر هم يعمدون على اغراقها بعد ما ان نسفوا قعرها.

في عالم السياسة والأعمال ، يظهر بين الحين والآخر أشخاص قادرون على ايهام الناس بصوابية خياراتهم ونبل اهدافهم وقدسية قيمهم وهم في المقابل يمتهنون المكر ويدمنون على السرقة بأساليب مبتكرة ومثيرة للدهشة. ينتمي صديقي القانوني الى هؤلاء الأشخاص ليكسب بدرجة مشرفة لقب "اللص الظريف" ويتربع على عرش اللباقة واللطافة المبطنة.

اللص الذي اقصده في مقالتي، يعرف نفسه جيدا والناس تعرفه، بل وأكثر، الله عز وجل، يعرفه جيدا. هو الذي يجمع بين الدهاء والمكر وخفة اليد ليخطف الأضواء بأعماله الملتوية ويثير في الوقت نفسه الدهشة عند الناس.

في السينما والأدب والأعمال الفنية بشكل عام، يتم تصوير اللص الظريف عادة على أنه شخص يستخدم ذكائه الحاد ومهاراته الاستثنائية للهروب من العقوبة والتحايل على القوانين. قد يكون متخفيا خلف زي وجه مزيف أو قناع كاريكاتوري او بذة غالية الثمن قماشها نادر وازرارها مذهبة. او ربما يتلاعب بتكنولوجيا متقدمة وأجهزة خفية لتنفيذ مآربه وجرائمه القادمة.

في النهاية، اللص الظريف قد يكون شخصية محببة لعائلته ومحيطه ولعملائه وللجماهير ويكسب من خلالها تعاطفا من الناس بسبب ذكائه وطرائفه "ودواوينه" ولكن هو كصديقي اللدود ذالك القانوني الذي يمشي برجليه على القانون، وقصدت هنا انه يدعس على القانون.

عند البحث بشخصية هذا اللص الظريف، علينا أن نتذكر أن الأفعال التي يقوم بها في الواقع غير قانونية ومخادعة اذ أن ظاهرها براق ولكن باطنها مظلم.

يبقى هذا الصديق اللص لصا ظريفا محترفا وانيقا يلعب لعبته بين الكوميديا والحقيقة وبين الواقع والافلام، غافلا عنه أن الحياة قصيرة وأن يوم الحساب قريب وفاتورته مضاعفة: السرقة والكذب.


الأكثر قراءة

الهجوم الإيراني يُرمّم توازن الردع في المنطقة بايدن يلجم نتنياهو... الى متى؟ ... لبنان في «عين العاصفة»