اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أزمة اقتصادية خانقة يعيشها لبنان لم ولن ترحم، فبعدما ارهقت جيوب المواطنين واستنزفت قدراتهم، ها هي اليوم تمس بعلاقاتهم الاجتماعية، خصوصاً تلك التي تتعلق بشريك حياتهم الأبدي.

وفي لبنان بات الطلاق أمراً شائعاً، حيث تكاثرت مؤخراً الحالات متجاوزة نسبة المعقول، فقد أشار المحامي والباحث القانوني الأستاذ سليمان مالك للـ"ديار" أن "النسبة وصلت الى 28% أما أبرز أسبابها لا بل أهمها ان صح القول "الأزمة الاقتصادية الراهنة"، التي أظهرت عجز عن انفاق على مؤسسة الزواج وتأمين الاحتياجات الأساسية للعائلة".

في هذا السياق قالت ريتا وهي مطلقة لـ"الديار": "كنا ثنائي رائع ولكن الأيام غيرتنا، العمل وتدخلات العائلة والروتين، كلها أسباب حولت علاقتنا الى دراما يومية لا يوجد فيها شيئ جديد سوى تدهور أحوالنا المعيشية خصوصاً مع تفاقم أزمة البلد".

تختلف الأسباب والنتيجة واحدة، فالبيت الذي بني على حب أولاً تنهار أسسه وتنتهي العلاقة الزوجية بالانفصال من ثم الطلاق، بعد أن يعجز الطرفين عن التوصل الى حلول لاعادة احياء العلاقة، واللافت أن عقود الزواج المصرح عنها لدى المديرية العامة لدى الأحوال الشخصية سجلت تراجع كبير بين سنة 2012 و 2023،بالمقابل ارتفع عدد عقود الطلاق في الفترة ذاتها.

ولفت مالك الى أنه "بحسب آخر الإحصاءات لدى المحاكم الشرعية والروحية ارتفعت نسب الطلاق خلال السنوات الأربعة الماضية علماً، أن هنالك فرق كبير في النسب بين المحاكم الإسلامية (السنية والجعفرية) وبين المحاكم المسيحية المعروفة بأن الطلاق لديها هو مسيرة جلجلة طويلة وصعبة".

صحيح أن نسب الطلاق في لبنان ترتفع ولكن هذه ليست الظاهرة الرئيسية على أهميتها، فوجود نسبة كبيرة من المرتبطين من جيل الشباب التي تطلب الطلاق بعد الزواج بفترة قصيرة وبسهولة في بلد كان الطلاق فيه من المحرمات، أما الظاهرة اللافتة اليوم فهي حفلات الطلاق التي تحولت الى "تريند" جديد في لبنان تنافس حفلات الأعراس ولا تغيب عنها حفلات الرقص والغناء بالإشارة الى توديع الحياة الزوجية وبداية حياة جديدة للمطلقين.

بالنسبة لتداعيات نسب الطلاق المرتفعة على المستقبل في لبنان، أكد مالك أن "كل انفصال بالحياة الزوجية لا تقتصر تداعياته فقط على الزوجين بل يطال كل أفراد الأسرة وخاصة الأولاد في حال وجودهم، ولكن المعالجة اليوم لا تكون بالنتائج بل يجب أن نلتفت الى الأسباب المؤدية الى الطلاق وأهمها الاقتصادية وعدم توفر الفرص التي تساعد الثنائي لبناء عائلة، لا يمكننا أن ننسى أيضاً الأسباب الاجتماعية، النفسية والفزيولوجية".

عام مر على طلاق نهاد من زوجها تتحدث اليوم عن معاناة مضاعفة تعيشها كامرأة مطلقة من جهة وكمعيلة لابنها الوحيد من جهة أخرى في ظل الظروف الاقتصادية المتردية التي تمر بها البلاد، تشير نهاد الى أن " زوجها كان يعمل ولكنه هو من قدم استقالته وجلس في المنزل وتظاهر أمام الناس أن الشركة طردته وبدأ يعيش على حسابي وأصبحت كمكنة أضخ له المال فقط"، مضيفةً: "لم أعد أحتمل أن أقوم بدور الرجل والمرأة فقررت أن اطلب الطلاق وحصلت عليه".

الأزمة الاقتصادية زادت من نسبة الطلاق مع ارتفاع نسب الفقر والبطالة، من جهة أخرى بدأنا نلاحظ ازدياد حالات الخلع والهجر من دون طلاق شرعي بسبب سوء الأحوال الاقتصادية خاصة في ظل ارتفاع رسوم المحاكم التي تم تسعير بعضها بالدولار.

تدهور الأوضاع الاقتصادية جعل كثيرين يعجزون عن الانفاق على مؤسسة الزواج وتأمين الحاجات الأساسية للعائلة من غذاء وطبابة وتعلبم، فضلاً عن غياب القروض السكنية، ما جعل لبنانيين كثيرين يحجمون حتى عن الزواج أصلا قبل اللجوء الى خيار الطلاق.

غياب الأمان الاقتصادي غيب الاستقرار النفسي والمادي لدى أسر كثيرة تطلق أفرادها بفعل الضائقة المعيشية، فبعض حالات الطلاق تسببت في تفكك اجتماعي يحذر الخبراء من تداعياتها السلبية على الأجيال الشابة

لتحصين الزواج خلال الأزمة الاقتصادية شدد مالك على "ضرورة تأمين جو ملائم من خلال سعي الدولة لتأمين فرص عمل للشباب وتأمين أسس حياة لائقة ليصبح هنالك اقبال على الزواج، وضرورة التثقيف ما قبل الزواج للشريكين فيكون قرارهما صائباً"، مضيفاً: "لا يمكننا أن ننسى أن هنالك ملفات طلاق عالقة في المحاكم حتى الآن

من جهة أخرى اكمال نصف الدين والزواج لم يعد "كلمة بالتم"، فلم يعد بمقدور معظم اللبنانيين الاقدام على هذه الخطوة بسبب ارتفاع تكاليف السابقة واللاحق لها.

فعلى ما يبدو أن الحب الكبير و"العيشة عالخبزة والزيتونة" لم تعد تنفع في ظل أسوء أزمة اقتصادية نعصف بالبلاد . 

الأكثر قراءة

«رسائل» نصرالله تربك الأوروبيين... وقبرص تناى بنفسها عن «إسرائيل»؟ نصائح لـ«إسرائيل» بتأجيل الحرب لسنوات: الحياة في شمال فلسطين ستصبح معدومة