اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم تؤدّ أي من المشاريع المقدّمة في مجلس الأمن الدولي حتى الساعة الى وقف إطلاق النار وإنهاء العدوان الإسرائيلي على غزّة، وعلى جنوب لبنان. ويستمرّ العدو في ارتكاب المجازر وقتل المدنيين وتهجير الفلسطينيين الى خارج القطاع وفي احتلالهم لأرضهم، مع الدعم الذي تُقدّمه له واشنطن عسكرياً وسياسياً وديبلوماسياً، رغم الحديث عن أنّ المفاوضات يُمكن أن توصل الى هدنة والى صفقة لتبادل الأسرى. لهذا تبقى الأنظار شاخصة نحو محكمة العدل الدولية في لاهاي التي بدأت الاثنين الفائت جلسات إستماع لمرافعات عدد كبير من الدول حول دعوى "الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية". أمّا الهدف من هذه الجلسات فهو إصدار رأي إستشاري غير مُلزم يتعلّق بالعواقب القانونية للإحتلال. فهل يؤثّر هذا الرأي على العدوان الإسرائيلي الوحشي المستمرّ على قطاع غزّة ويُرغم العدو على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلّة، أم أنّ أي قرار سيصدر عن هذه المحكمة التي تُعتبر الأعلى التابعة للأمم المتحدة، لن يلتزم به "الإسرائيلي" على غرار ما يفعل عادة تجاه القرارات الدولية؟!

يقول السفير الدكتور بسّام النعماني المتابع للقضايا الدولية، انّ هذه الدعوى تسبق تلك التي قدّمتها جنوب أفريقيا ضدّ "إسرائيل" بشأن الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في غزّة، وهي تتناول التبعات القانونية للإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ومن المتوقع أن يصل عدد المتكلمين إلى 57 دولة وهيئة دولية. وقد تقدّمت بهذه الدعوى دولة فلسطين في كانون الأول من العام 2022 بناءً على قرار صادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة، أي منذ نحو سنة وثلاثة أشهر.

وترتدي هذه الدعوى أهمية بالغة، على ما أضاف، تبعاً للعدد الكبير من الدول التي تدلي بدلوها في هذا الموضوع بالذات وتتهم “إسرائيل” بعدم الخضوع الى القانون الدولي في ما يتعلّق باحتلالها للأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، وأيضا إنتهاكها لهذه القوانين. وقد طلب من المحكمة إبداء "رأي إستشاري" حول هذه "التبعات القانونية".

ولفت النعماني الى أنّه ليس واضحاً متى قرّرت المحكمة بأن هذا هو الوقت "المناسب" للإستماع إلى هذه الدعوى، متسائلاً: هل لأنّه بمجرّد أن استُكملت الإجراءات القانونية الإجرائية لها، تقرّر البت الآن في دعوى فلسطين، أم أن هناك من يريدها أن تتزامن مع دعوى "الإبادة الجماعية للفلسطينيين"؟ وهل "ستسرق" هذه الدعوى الأضواء من دعوى جنوب أفريقيا، ولا سيما أن حرب غزة مستمرة وهذه الدعوى أصبحت "جارية" بينما دعوى "الإبادة الجماعية" مؤجلة؟!

ولكن من فوائدها، على ما أوضح، هو أن الدعوى خلقت منبراً لكي تتطرّق الدول التي تقدمت بمداخلاتها إلى الوضع في غزة. وغير واضح إذا كانت ستباشر "إسرائيل" هجومها على رفح المعقل النهائي.... "فوق الأرض".... لحركة "حماس" بعد أن تم "تطويع" غزة وخان يونس"فوق الأرض". وقد أصبح واضحاً بأن "إسرائيل" تراجعت بعض الشيء عن هجمات "الإبادة الجماعية" التي كانت تتسم بها تكتيكاتها العسكرية في الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب. ربما بسبب الضغوط الأميركية والغربية والدولية، وكذلك أيضاً بسبب دعوى جنوب إفريقيا والتي يجب عدم الإستهانة بها. فهل "الحملة العسكرية الأخيرة" في رفح ستكتفي بـ "دفع" أهل غزة إلى سيناء؟ وهل إذا رفضوا النزوح، ستوجه إليهم ضربات "إبادة" مثل تكتيكات الأشهر الأولى؟

وبرأي النعماني أنّه رغم أنّ وفد العدو الإسرائيلي قد بدأ بالتخلّف عن حضور جلسات الاستماع، إلا أنه يمكن القول ان دعوى "التبعات القانونية" الأخيرة "أخف وطأة" عليه من دعوى "الإبادة الجماعية". لأنً هذه الأخيرة، في حال تثبيتها قانونياً، ستؤدي حتماً إلى تشكيل محاكمة دولية خاصة تجر إليها المسؤولين والهيئات الإسرائيلية التي سيتم إعتبارها مسؤولة عن تخطيط وتنفيذ خطط الإبادة الجماعية ومعاقبتهم وسجنهم، مثلما حصل مع محاكمة القادة مجرمي الحرب الألمان في نورمبرغ في عامي 1946-1947 بعد الحرب العالمية الثانية. وفيها وصلت بعض الأحكام إلى درحة الإعدام لبعض منهم والمؤبد للبعض الآخر وتبرئة عدد قليل لا يتجاوز أصابع اليد. ولكن محاكمة الألمان لم تكن فقط بتهمة الإبادة الجماعية، بل ضمت إليها تهم أخرى مثل التآمر لشن الحروب العدوانية ومخالفة قوانين معاملة أسرى الحرب.

أما الدعوى الحالية ضد الكيان الإسرائيلي، على ما تابع، فسقفها محدد بخضوعها ل الى التزاماتها بموجب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة كقوة احتلال، حتى لو اعتُبر هذا الاحتلال "مؤقتاً" إلى حين التوصل إلى حل تسووي سلمي من المفترض أن يكون نهائياً. علماً بأنّ متن قرار الجمعية العامة يعتبر أنّ "إسرائيل" تخالف حقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني وأن إستمرار إحتلالها لأراضي ما بعد حرب حزيران، واستيطان وضم مناطق منها يعتبر أيضاً "غير قانوني"، وأنّه على محكمة العدل الدولية "البت" في التبعات القانونية لعدم التزام إسرائيل بالقرارات والقوانين الدولية. علماً بأنّ الإسرائيليين قالوا بأنّه لا يُمكن اعتبار الإحتلال "غير قانوني"، الى حين التوصّل الى ترتيبات تسويات سلام النهائية، أو بمعنى آخر المفاوضات "علّقت" عدم شرعية الاحتلال. هذا هو جدالهم "القانوني" لدحض الدعوى. غير أنّ أي قرار سيصدر عن المحكمة سيُعتبر استشارياً، مثلما طلبت الجمعية العامة، ولهذا فإن هذا القرار سيكون غير ملزم، ولكن لا يمكن إغفال تأثيره المعنوي على الصعيد الدولي.

الأكثر قراءة

الهجوم الإيراني يُرمّم توازن الردع في المنطقة بايدن يلجم نتنياهو... الى متى؟ ... لبنان في «عين العاصفة»