اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

صحيح ان وزير الدفاع "الإسرائيلي" يوآف غالانت أشار بعد تبني مجلس الامن قرارا بوقف اطلاق النار في غزة، الى ان وقف الحرب هناك "قد يقرّب حربا على الجبهة الشمالية"، الا ان تصريحات غالانت وغيره من المسؤولين "الاسرائيليين"، بما يتعلق بلبنان لم تعد تؤخذ بكثير من الجدية، لان ما يعلنه هؤلاء يندرج بمعظم الاحيان في اطار سياسة الضغط على حزب الله للخضوع للشروط "الاسرائيلية"، ولا ينسجم على الاطلاق مع الوقائع الفعلية التي باتت تؤكد ان الحرب الموسعة تبتعد عن لبنان ولا تقترب منه.

ويمكن الحديث عن ٣ عوامل تؤدي الى الوصول الى هذه النتيجة:

- اولا: قرار مجلس الامن الاخير الداعي لوقف فوري لاطلاق نار في غزة خلال شهر رمضان، سواء طبقته "اسرائيل" او امتنعت عن ذلك، انما هو تحول نوعي كبير في مجريات الحرب على غزة، بحيث انه اظهر تلاشي الغطاء الدولي لـ "تل ابيب"، والذي مكّنها من ارتكاب مئات المجازر وحرب ابادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني. وبالتالي ورغم تعنت رئيس الحكومة "الإسرائيلية" بنيامين نتنياهو وتصلبه، فهو يعي ان خوض حرب بحجم حرب مع حزب الله، لا يمكن ان يحصل على الاطلاق من دون دعم دولي، لذلك حاول مراراً وتكرارا استفزاز حزب الله في الاشهر الماضية ليكون هو المبادر لتوسعة الحرب، كي تستخدم الادارة "الاسرائيلية" ذلك مبررا لشن حرب واسعة على لبنان، لكن الحزب تجنب هذا الفخ رغم كل الاستفزازات والتضحيات، وهو لن يعود ليقع فيه بعد كل هذا الوقت.

- ثانيا: التحول الكبير في الموقف الاميركي من الحرب على غزة، يشكل اكبر عقبة امام "اسرائيل" لمواجهة كبيرة مع حزب الله. فكما بات معروفا حاول نتنياهو كثيرا إقناع الولايات المتحدة الاميركية بوجوب دفع عناصر الحزب بالقوة الى شمالي الليطاني، وارساء واقع جديد جنوب لبنان بعد رفض حارة حريك كل الحلول الديبلوماسية التي طُرحت عليها، حتى انه حاول طوال الاشهر الماضية اقحام اميركا في هكذا مواجهة لتحارب معه وعنه في لبنان، الا ان واشنطن كانت حاسمة منذ البداية برفضها الحرب مع الحزب، بالتوازي مع الحرب المفتوحة مع حماس، لا بل اكثر من ذلك حاولت القيام بدور الوسيط المحايد بين "تل ابيب" وبيروت من خلال موفدها آموس هوكشتاين، الذي وضع تصورا لحل الوضع جنوبا وبات مقتنعا ان حزب الله لن يبحث فيه قبل وقف اطلاق النار النهائي في غزة.

ومع ازدياد الهوة بين "الاسرائيلي" والاميركي، وبخاصة بعد الصفعة التي وجهتها واشنطن لنتنياهو عبر مجلس الامن من خلال تجنبها استخدام حق النقض "الفيتو"، للضغط عليه لتجنب عملية اجتياح رفح التي تطرح الولايات المتحدة الاميركية بدائل لها، يُصبح اي دعم اميركي لحرب "اسرائيلية" موسعة على لبنان مستبعدا تماما، لا بل تدرك "تل أبيب" ان هناك خطوطا حمراء اميركية في هذا المجال، لقناعة واشنطن ان اي مواجهة بين الطرفين لن تبقى كذلك، وقد تتوسع لتشعل المنطقة بأسرها، كما ان التفاهمات الايرانية - الاميركية غير المعلنة في هذا المجال واضحة، وتشدد على رفض توسع المواجهات.

- ثالثا: بات واضحا ان العدو الاسرائيلي يعطي الاولوية اليوم لحل ملف حماس، وهو يصر على ان تحقيق اهدافه لن يتم من دون اجتياح رفح، وبالتالي اي مغامرة في لبنان تبقى مؤجلة حتى القيام بهذه العملية، التي تؤكد كل المعطيات انه وفي حال حصلت، ستكون معقدة جدا وطويلة وستستنزفه الى حد يُصبح مجرد التفكير بتوسعة القتال على اكثر من جبهة ترفا. فكيف اذا كان هذا الاجتياح، وفي حال أصر نتنياهو عليه، لا يحظى بأي غطاء دولي ويظهر فيه الاخير بشكل واضح كمعتد ومجرم حرب!

بالمحصلة، ورغم كل التهويل "الاسرائيلي" بحرب قريبة وتقترب على لبنان، وهو تهويل تمارسه "اسرائيل" منذ أشهر، سواء بشكل مباشر من خلال مواقف يطلقها مسؤولوها او من خلال تهديدات حمّلتها لاكثر من موفد دولي، فان ما يمكن تأكيده ان "تل ابيب" اليوم في مأزق كبير داخلي ودولي، وبالتالي تعي ان اي مغامرة مع لبنان ستفاقم هذا المأزق ولن تحله، ما يجعل سيناريوهات الحرب الموسعة تتلاشى مع مرور الوقت.

الأكثر قراءة

الهجوم الإيراني يُرمّم توازن الردع في المنطقة بايدن يلجم نتنياهو... الى متى؟ ... لبنان في «عين العاصفة»