اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


الى أي مدى يمكن الأخذ بالقول الروسي "ما حدث بين جو بايدن وبنيامين نتنياهو، دليل على أن أميركا تُحتضر في الشرق الأوسط ". لنتصور أن هذا يحصل فعلاً، وفي ظل غياب "المايسترو" الذي يضبط الايقاع بين بقايا القبائل وبقايا الأمبراطوريات. هنا المنطقة المثقلة بالتاريخ، والمثقلة بالايديولوجيا، ودون أن تتمكن من بلورة رؤية مشتركة للتعامل مع قرن قد يتغير فيه دوران الكرة الأرضية.

أكثر من مرة أشرنا الى أن ادارة دوايت ايزنهاور، بطل النورماندي، أطلقت عام 1957  "مبدأ ايزنهاور" بعنوان "ملء الفراغ في الشرق الأوسط ". لا أحد من المسؤولين في واشنطن أوضح لنا ما المقصود بـ "الفراغ"، ولماذا اختيرت منطقتنا بالذات لتطبيق ذلك المبدأ، كما لو أن أميركا لم تملأ الفراغ بالفراغ؟

بالتأكيد، الداعي هو النفط الذي وصفه الفرنسي هنري بيرانجيه، أثناء انعقاد مؤتمر للنفط في لندن عام 1918، بـ"دم الأرض"، وان كنا نرى في الطاقة الدم الذي يطلق العنان للأزمنة الحديثة. كذلك الموقع الجيوستراتيجي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، دون أن نغفل البعد اللاهوتي في المسار التاريخي للمنطقة. هنا ولدت اليهودية والمسيحية لتنتقلا الى الغرب الذي بدأ يشهد  منذ القرن السابع عشر، ظهور الخطط الخاصة بالسيطرة على ثروات العالم، وادارة هذا العالم.  غوستاف لوبون كتب عن "ذلك الشرق الذي ظل اللغز الالهي في لاوعينا".

لا أحد يستطيع التكهن بتداعيات الخروج الأميركي. الجنرال ديفيد بترايوس توقع أن "تأكل الدول الكبيرة الدول الصغيرة قبل أن تأكل بعضها بعضا". انها الفوضى التي لا مجال لقوة أخرى ادارتها. الروس لا خبرة لديهم، اثر سقوط التجربة الايديولوجية، ولا أسلوب الحياة (Lifestyle ) ، الصينيون تختزل فلسفتهم بانتظار جثث الأعداء على ضفة النهر. في نهاية المطاف ـ يقول الله، بحسب ليو شتراوس ـ لا بديل عن أميركا سوى أميركا.

ما من دولة يمكن أن تضاهيهم في القوة الاقتصادية أو في القوة العسكرية، وفي ما دعاه ستانلي كوبريك، مخرج "البرتقال الآلي"، "القدرة على اعادة انتاج العالم". ذات يوم كانت هناك الأمبراطورية السوفياتية. وكان أن الاثنتان صاغتا، وتحديداً في مؤتمر يالطا عام 1945،  تلك الثنائية التي حافظت  بشكل أو بآخر على توازن المصالح، حتى اذا اندلعت الحرب الباردة، سقط الأميركيون في فيتنام وسقط السوفيات في أفغنستان.

لم يكن هناك من حضور مؤثر للاتحاد السوفياتي في المنطقة. هذا الحضور بلغ ذروته ابان عهد جمال عبد الناصر، حتى اذا ما خلفه أنور السادات طرد كل الخبراء السوفيات، وعقد اتفاقية كمب ديفيد مع "اسرائيل"، آخذاً بوعود هنري كيسنجر بتتويجه امبراطوراً على الشرق الأوسط. مسؤول سابق في المخابرات المصرية قال لنا ان الأجهزة الأميركية كانت على بيّنة من السيناريو الخاص باغتياله، لكنها لاذت بالصمت لتتخلص من طموحاته، وقد أثارت حساسية قادة آخرين، كما أن دوره انتهى بتوقيع الاتفاقية التي أدت الى خروج مصر من الصراع العربي ـ "الاسرائيلي"، لتبدأ عقارب الساعة بالعودة الى الوراء.

كانت هناك سوريا أيضاً. اللافت هنا أن القيصر بطرس الأكبر، الذي كان يحلم بوضع قدميه في المياه الدافئة، أوصى بعلاقات وثيقة مع أنكلترا لتشق أمامه الطريق الى ضفاف المتوسط. فلاديمير بوتين على الأرض السورية، ولكن في أسوأ الظروف. الرجل يدرك مدى التعقيدات الجيوسياسية في المنطقة، وهو الغارق في التضاريس الأوكرانية التي اضطرته، لضرورات تكتيكية، الى تقديم تنازلات سياسية، وحتى تنازلات استراتييجة.

دائماً الكرملين يراهن على الأخطاء أو الثغرات الأميركية، للدخول من الأبواب الخلفية الى منطقة ما، أو الى قضية ما. واذا كانت خطة جون فوستر دالاس اقفال كل طرقات الشرق الأوسط في وجه موسكو، نقف الآن أمام رأي مثير لعالمة السياسة الأميركية آن نورتون التي ترى أن الهشاشة التي أظهرتها "اسرائيل" في ادارتها للحرب هي انعكاس للهشاشة الأميركية.

سألت "ألا تكفي تلك الكمية الهائلة من القنابل والصواريخ التي أرسلها بايدن الى نتنياهو للقبض على رجل واحد يدعى يحيى السنوار"؟

المؤرخ "الاسرائيلي" يوفال نوح هراري تحدث عن الاحتضار. "ما حدث بين نتنياهو وبايدن لكأنه الصراع بيننا وبين من رأينا فيه يهوه العصر. "اسرائيل" بعد غزة عشيقة قبيحة للبيت الأبيض، الذي أذهله هزال من كان يعتبرها... وديعتنا المقدسة في الشرق الأوسط"!!!

الأكثر قراءة

البخاري في الضاحية... الرئيس في بعبدا