اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

وسط المعاناة المستمرة منذ خمس سنوات اي منذ اندلاع الأزمة المالية والنقدية والاقتصادية في البلاد دون إيجاد حل، تكثر الاقاويل والاستنتاجات دون العثور على أمل ما يخرج اللبنانيين من ازمتهم المستفحلة. لذا ماذا يقول نسيب غبريل كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس وهل الازمة هي بفعل فاعل؟ وما هي حقيقة الأمر؟ هل المصارف عاجزة عن الاستمرار في الحياة؟ وما هي حقيقة شطب الودائع؟

ان السردية التي طغت على المشهد في لبنان منذ اندلاع الأزمة ركزت أولا على ان اسباب الأزمة هي تقنية بحت تتمثل بحجم الدين العام والعجز في الموازنة العامة وكلفة تثبيت سعر الصرف والفوائد المرتفعة بالتزامن مع اهمال متعمّد وممنهج للاسباب الحقيقية للأزمة. صحيح ان كل هذه العوامل التقنية كانت موجودة و لكنها هي نتيجة الجذور الفعلية للأزمة التي هي سوء استخدام السلطة السياسية وسوء ادارة القطاع العام، مما انتج ازمة ثقة ادّت الى ازمة سيولة بالعملات الاجنبية وتدهور مؤشرات المالية العامة وتراجع تدفقات رؤوس الاموال الى لبنان واهمال الاصلاحات البنيوية. ومن ضمن السردية التي طغت منذ اندلاع الأزمة  اعتبار ان القطاع المصرفي بشقيه، اي مصرف لبنان والمصارف التجارية، هو المسؤول الوحيد عن الأزمة. لقد افترضت هذه السردية أنه بما ان المصارف كانت تحمل في بداية العام ٢٠١٩ حوالى ١٤مليار دولار سندات يوروبوندز و١٤مليار دولار سندات خزينة بالليرة اللبنانية اي ما يوازي ٢٨مليار دولار حسب سعر الصرف القديم وهو دين عام ، وبما انها وضعت في مصرف لبنان ما يوازي ٨٠ مليار دولار كودائع فالمصارف إذن ليس لديها سيولة ولا ملاءة خصوصا بعد اعتبار ان ودائعها في مصرف لبنان هي خسائر بالكامل او ما سمي "الفجوة المالية" وايضا" بعدما قررت الحكومة السابقة التعثر عن تسديد استحقاقات الدولة اللبنانية لسندات اليوروبوندز وانها اصبحت سندات هالكة. لقد اعتبرت هذه السردية بما انه تم التعثرعلى الدين العام وتحديدا على سندات اليوروبوندز ، وبما ان الودائع بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان هي خسائر، فمعنى ذلك أن المصارف التجارية ليس لديها سيولة او ملاءة وهي بالتالي تقنيا في حالة افلاس. لذلك، مضمون خطة الحكومة السابقة هو ان موجودات المصارف كلها هي خسائر وديون هالكة وبالتالي لا مجال لاستمرارية القطاع المصرفي ويجب تصفيته واستبداله بخمس رخص جديدة لإعادة إطلاق العمل المصرفي. بينما مشروع الحكومة الحالية اعتبر بعد توقيع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وجود فجوة مالية وخسائر في مصرف لبنان ولذلك يجب شطب ٦٠مليار دولار من ميزانية مصرف لبنان ويقابلها أيضا ٦٠ مليار دولار من الودائع بالعملات الأجنبية لدى المصارف التجارية. وبالتالي على المصارف ان تقوم بعملية Bail in اي تحويل الجزء الأكبر من هذه الودائع إلى أسهم مصرفية وينتهي الموضوع باستمرار المصرف القادر على إعادة الرسملة بينما تخرج بقية المصارف من القطاع. حتى انه بدأت اثر ذلك التحليلات بأنه لن يبقى سوى ٦ او ٧ مصارف وتم التغاضي بالكامل عن مسؤولية الحكومات المتعاقبة  أي السلطة السياسية وبالتالي عن ان الأزمة المصرفية هي ازمة نظامية جراء ممارسات السلطة.

نحن اليوم اذا حللنا الأرقام الفعلية للدين العام الذي كانت قيمته ١٠٠مليار دولار في بداية العام ٢٠١٩ نجد ستين في المئة منه تقريبا هو سندات خزينة بالليرة اللبنانيه والباقي هو دين بالعملات الأجنبية، ٣١مليار دولار منه هو سندات يوروبوندز و٢مليار دولار قروض ميسرة من مؤسسات متعددة الأطراف مثل البنك الدولي وصناديق تنمية وغيرها. لذا اذا أخذنا الدين العام بشقه بالليرة اللبنانيه والذي كانت قيمته ٦٠مليار دولار فإن قيمته السوقية الفعلية حاليا على سعر صرف ٨٩.٥٠٠ ، وهو السعر الذي اعتمده مصرف لبنان لميزانيات المصارف والمؤسسات المالية والمعتمد في مجمل التداولات الإقتصادية، نرى أن قيمة الدين العام المحرر بالليرة أصبحت ٦٧٠مليون دولار. لقد انخفضت القيمة من ٦٠مليارا إلى ٦٧٠ مليون دولار. أما سندات اليوروبوندز ومجموعها ٣١ مليار دولار فإن قيمتها السوقية حاليا حسب التداول بسندات اليوروبوندز في السوق الثانوي هو ٦ إلى ٧سنت لكل دولار اي ٦% إلى ٧%من القيمة الأصلية للسند اي أن ٣١ مليار دولار أصبحت قيمتها ٢مليار ١٧٠مليون دولار، واذا أضفنا ال٢مليار دولار التي لا تزال الدولة تلتزم بتسديد استحقاقاتها تصبح عمليا القيمة السوقية للدين العام في لبنان ٥ مليار و ٨٥٠ مليون دولار. أيضا اذا جرت مفاوضات مع حاملي سندات اليوروبوندز بعد ٥١ شهرا من قرار الحكومة السابقه بالتعثر عن تسديد سندات اليوروبوندز، ونعلم انه لم تتم اي مفاوضات حتى الآن ، لكن لنفترض أن حاملي السندات لم يحصلوا الا على ٢٠%من قيمة سنداتهم ولا نريد القول أقل من تلك القيمة، فإن قيمة الدين العام بالنتيجة ستصبح ٨ مليار دولار و٩٠٠ مليون دولار اي أن قيمة الدين العام الأصلية حتى لو تمت المفاوضات وتم تحصيل ٢٠% من قيمة السندات هي ٨ مليار و٩٠٠ مليون دولار اي انه حجم كل الدين العام المحرر بالليرة اللبنانيه بالإضافة إلى سندات اليوروبوندز والقروض الميسرة التي لا تزال الدولة تلتزم بتسديدها، وهذا يؤدي الى إعادة النظر بالنظرية التي كانت تقول انه يجب إعادة هيكلة الدين العام ومقابلها اجراء اقتطاع (haircut) مماثل على الودائع المصارفية . لقد انتفت اسباب هذه النظرية مع تقلص حجم الدين العام اي القيمة الحقيقية للدين العام . وان المصارف اصلا اخذت مؤونات على سندات اليوروبوندز التي تحملها وهي تقريبا غطت خسائرها بالكامل من سندات اليوروبوندز وما تحمله من سندات بالليرة يوازي اليوم ١٢٠مليون دولار على سعر الصرف الحالي فقط لا غير.

النتيحة

ما هي النتيجة التي توصلتم إليها بعد كل ذلك؟

اذا انتقلنا إلى ما يسمى الفجوة المالية أوالخسائر لدى مصرف لبنان، وهي فعليا ودائع المصارف لديه، فهي تقريبا ٨٠ مليار دولار. وهنا اولا"، ايجب التذكير انه صدر بهذا الخصوص في شهر شباط من العام الحالي تقرير بحثي من قبل بنك التسويات العالمي، الذي يطلق عليه اسم “مصرف المصارف حول العالم” ومركزه سويسرا، و يقول التقرير أن عددا متزايدا من المصارف المركزية تحقق الخسائر لأسباب متعددة واذا حقق مصرف مركزي خسائر فهذا لا يعني أنه لا يجب أن يستمر في تأدية واجباته ومسؤولياته، اي بمعنى آخر أن الخسائر التي يتكبدها اي مصرف مركزي لا تشكل عائقا أمام استمراريته وبالتحديد استمرارية عمله واولوياته ومسؤولياته وانه ليس من الضرورة انتظار اعادة رسملة المصرف المركزي ليستطيع العمل بشكل طبيعي مجددا" لأنه ليست شركة تجارية ولا يجب معاملته كأنه شركة مساهمة تجارية. ثانيا، بهذا الموضوع نحن نعرف انه في ٢ شباط من العام ٢٠٢٤ أصدر مجلس شورى الدولة قرارا اعتبر فيه انه لا يمكن لأي سلطة من السلطات أكانت سلطة تنفيذية او تشريعية أن تشطب ٦٠مليار دولار من ميزانية مصرف لبنان ومقابلها شطب ٦٠مليار دولار من الودائع كما جاء في خطة الحكومة الحالية، اذ ان هكذا خطوة هي مخالفة للدستوربغض النظر عن المبلغ. إذن حتى لو أن هذه الخطة موجودة فإن مجلس الشورى قد أصدر قراره بأنه لا يحق لأي سلطة أن تفعل ذلك. أيضا اوضح التقرير الجنائي لشركة الفاريز انه توجد التزامات لدى الدولة لمصرف لبنان منها ١٦،٥مليار دولار هي دين مترتب عليها. ثالثا"، تم إهمال كلي للمادة ١١٣من قانون النقد والتسليف التي تقول بشكل واضح ومباشر انه في حال تحقيق البنك المركزي اي خسائر، دون التحديد بأي عملة، فعلى وزارة المال أن تغطي هذه الخسائر. لذا اذا نظرنا إلى الموضوع المصرفي من اي جهة كانت لا يمكن الادعاء أن المصارف لا يمكنها الاستمرار لأن موضوع الدين العام تقلص حجمه إلى أقل من ٩ مليار دولار في أفضل الأحوال لذا ما الذي يريدون شطبه من ميزانية المصارف ؟ لقد اخذت المصارف مؤونات على سندات اليوروبوندز التي تحملها أكثر بكثير من النسبة التي فرضها عليها مصرف لبنان كما أن كل الدين العام بالليرة يوازي ١٢٠مليون دولار لذا ما هي إعادة هيكلة الدين التي يريدونها ؟

ودائع الناس

ماذا بخصوص الودائع وهي لب المشكلة؟

بالنسبة للودائع المصرفية لا يوجد سوى جهات محددة تعتبر انها خسائر بينما مجلس شورى الدولة أصدر قراره الواضح بعدم إمكان شطبها لا بقانون ولا بقرار. كما أن قانون النقد والتسليف في مادته رقم ١١٣ هو واضح بأن على وزارة المال تغطية خسائر مصرف لبنان في حال تحقيقه لخسائر. إذن من هو الذي يصرّ على موضوع اعتبار الودائع المصرفية في مصرف لبنان هي خسائر وان على المساهمين في المصارف والمودعين تحملها ويجب شطب كل رأسمال المصارف أي الأسهم العادية والتفضيلية والسندات المرؤوسة وودائع كبار المساهمين وتحويل الجزء الأكبر من الودائع الى اسهم وسندات كما ورد في مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف في ٨ شباط من العام الحالي. أن هذه المقاربة يوجد عليها نقاط استفهام كبرى حاليا لأن الدين العام تقلص في السوق إلى اقل من تسعة مليارات دولار، واذا أردنا أن نأخذ موضوع ما يسمى بالفجوة المالية والخسائر لدى مصرف لبنان فإن مصرف التسويات الدولية اعتبر انه اذا حقق اي مصرف مركزي خسائر ما فهذا ليس عائقا امامه للاستمرار في أداء واجباته وتحمل مسؤولياته والعمل بشكل طبيعي وانتظار اعادة رسملته.

إذن أين المشكلة اليوم؟

المشكلة هي ان هناك جهات تدّعي الإصلاح السياسي والاقتصادي تحاول فرض نظرية الخسائر والفجوة المالية لدى مصرف لبنان، هدفها الحقيقي هو الاطاحة بالقطاع المصرفي تحت شعار إعادة الهيكلة رغم اننا سمعنا عدة مرات الكتل النيابية الكبيرة في المجلس النيابي ترفض موضوع شطب الودائع وهي تكرر تمسكها بالحفاظ على الودائع. لذا من يريد حقا" شطب الودائع واعتبار الودائع المصرفية لدى مصرف لبنان هي خسائر؟. انها جهات تدعي الإصلاح السياسي والاقتصادي لكن أحد أهدافها هو الاطاحة بالقطاع المصرفي، وليس استمراريته، لكي تستطيع جهات معينة محلية وخارجية شراء موجوداته بمبالغ زهيدة من خلال تقييم منخفض جدا" للمصارف. أن هذه الخطوة اذا حصلت ستؤدي إلى تغيير ملكية القطاع المصرفي وبالتالي ستساهم في تغيير هوية الاقتصاد اللبناني. توجد أسئلة عديدة بهذا الموضوع: لماذا الإصرار على الاطاحة بالقطاع المصرفي ولماذا الإصرار على وضع معايير شبه مستحيل تحقيقها من قبل المصارف للاستمرار؟ ما هي الأهداف المبيته خلف محاولات شطب الودائع واعتبار الودائع المصرفية لدى مصرف لبنان هي خسائر وليست التزامات يمكن إعادة جدولتها؟ وما هي اسباب الإهمال الكلي للمادة ١١٣ من قانون النقد والتسليف؟ ولماذا التمسك بشعار توزيع الخسائر بدل التركيز على توزيع المسؤوليات والالتزامات؟ هل بهدف تجهيل الفاعل والمرتكب الحقيقي وحرف الأنظارعن حلّ جدّي وقابل للتطبيق؟ ومن يستفيد من الاطاحة بالقطاع المصرفي بينما الدول حول العالم تبادر إلى اعتماد إجراءات كفيلة باستمرار قطاعها المصرفي والحفاظ على الاستقرار والثقة للسماح للقطاع بأن يستمر ويعمل بشكل طبيعي وبإدارة سيولته وموجوداته؟ ولماذا التركيزالممنهج على اعادة هيكلة القطاع المصرفي مقابل التعتيم عن ضرورة اعادة هيكلة شاملة للقطاع العام ومؤسساته او ذكره من باب رفع العتب فقط؟

نحن نعلم أن اي مصرف في العالم هو وسيط مالي يستقطب رؤوس الأموال من المساهمين والودائع من المودعين ويوظفها في السوق، وهو يحافظ على ١٠% او ١٢% كسيولة جاهزة وهو ليس خزنة كما يدعي البعض أنه يجب ان يحافظ على ٨٠% او٩٠% من ودائعه كسيولة جاهزة والا ما عاد مصرف ولا يوجد أي سبب لوجوده. يتم من اندلاع الأزمة حتى اليوم تداول نظريات تقول ان القطاع المصرفي هالك وموجوداته هالكة سواء أكان من الدين العام أو الودائع لدى مصرف لبنان او حتى دين القطاع الخاص. ان المصارف تتحمل الخسائر الناتجة عن تسديد القروض للقطاع الخاص بالشيكات او الليرة ، كما تتحمل خسائر اليوروبوندز وسندات الخزينة التي اشترتها.  ولكنها لا يمكنها تحمل الخسائر لدى مصرف لبنان لأنها التزامات لديه أولا وثانيا حتى لو افترضنا انها أخطأت بوضع هذه المبالغ الكبيرة في مصرف لبنان فهذا لا يعفي من أهدر هذه الأموال من إيجاد حل لإعادة جدولتها وتسديدها. اي بمعنى آخر لا معنى للقول ان المصارف لا تستطيع الاستمرار او وضع سقوف شبه مستحيلة التحقيق لاستمرارية المصارف. هنا لا بد من شكر الحريصين على الودائع المصرفية لكن توجد جهات تدّعي الإصلاح السياسي والمالي والنقدي، وتدّعي المعرفة الكاملة والشاملة بالحل، وتتاجر بحقوق المودعين منذ اندلاع الأزمة، وتعتبر أن الحل الوحيد هو الإطاحة بالقطاع المصرفي تحت شعار إعادة هيكلة القطاع ، وتتلطّى خلف منهجية صندوق النقد الدولي لتتصرف بطريقة اكثر ملوكية من الملك ، وهي تحاول منع اي حلّ منطقي يؤدي إلى إعادة جدولة الودائع لاستمرارية القطاع ولكي يستطيع المودع التصرف بوديعته كما كان الحال قبل الأزمة ، وحاولت و ما زالت تحاول فرض هذه النظرية على مكونات السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.

فالحلّ يكمن في تأمين سيولة كافية توازي ١٢% من مجموع الودائع بالعملات الاجنبية، وهو المعيار الدولي للسيولة الجاهزة، من اجل ان يستعيد القطاع قدرته على تمويل القطاع الخاص ومن اجل ان يستعيد المودع استخدام ودائعه دون الحاجة الى سحبها نقدا" بالكامل، لأن قبل الأزمة كان المودع يستخدم المبلغ الذي يحتاج اليه من الودائع من خلال التحاويل والشيكات وبطاقات الدفع ، ولم يكن بحاجة الى استخدام الكاش الا في حالات معينة وبمبالغ محدودة. وهذا لا يعني انه ليست هناك مسؤوليات يجب على المصارف تحملها. فأولا" المساهمون في رأسمال المصارف هم الذين خسروا استثماراتهم وثانيا "على المصارف المساهمة الفعّالة في تأمين جزء من هذه السيولة. ولكن جزءا كبيرا متوافر حاليا" لدى مصرف لبنان من خلال الاحتياطي الالزامي.

المواجهة

ولكن من الواضح ان هذا الحل تتم مواجهته بشراسة على اعتبار ان الالتزامات هي خسائر ويجب إعادة رسملة مصرف لبنان وهي بالتالي خسائر على ميزانيات المصارف وعلى المودعين الذين يجب أن يتحملوا هذه الخسائر من خلال استبدالها بأسهم وسندات طويلة الأمد، كما على المساهمين تحمل الخسارة الكاملة لاستثمارهم إن كان بأسهم عادية او أسهم تفضيلية او سندات مرؤوسة. لكن الأرقام أمامنا تبين أنه اذا كان توجد ارادة جدية فالحل موجود لاستمرارية القطاع. ان استمرارية القطاع له هدفان: أولا لكي يستطيع المودع التصرف بوديعته مجددا عند الحاجة وثانيا البدء باستعادة الثقة. ان هدف الإطاحة بالقطاع هو لمشاريع ضيقة تتمثل بشراء موجودات المصارف بأسعار زهيدة اذ أن ذلك سيساهم في تغيير ملكية المصارف ويؤدي إلى تغيير هوية لبنان الاقتصادية. إذن السؤال اليوم هو اي هوية نريد للاقتصاد اللبناني؟ هل نريد اقتصادا حرا ومسؤولا الذي يعتمد على المنافسة بين المؤسسات وداخل القطاعات؟ هل نريد اقتصادا منفتحا على العالم وبالتحديد على الدول العربية الشقيقة والصديقة؟ هل نريد اقتصادا عموده الفقري هو القطاع الخاص والمبادرة الفردية والذي يستقطب الاستثمارات والمشاريع؟ هل نريد اقتصادا قطاعه العام يتحمل مسؤولية تحسين المناخ الاستثماري وتطوير بيئة الأعمال، ورفع تنافسية الاقتصاد، وإعادة تأهيل البنى التحتية، ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي، وتفعيل الجباية ومحاربة التهريب عبر الحدود بالاتجاهين ، وتقليص حجم الاقتصاد الموازي، وتطبيق المنافسة في القطاع العام، واستقطاب شركات عالمية لادارة واستثمار المؤسسات العامة ذات الطابع التجاري، وإعادة لبنان إلى النظام المالي والمصرفي والتجاري العالمي، وإيجاد شبكات أمان اجتماعي مثل شبكة أمان للبطالة المؤقتة وشبكة تغطية صحية ونظام تقاعدي للقطاع الخاص، وفصل السلطات و نظام قضائي فعّال ومستقل؟ أم اننا نريد اقتصادا تهيمن عليه الفوضى الاقتصادية كما هي الحال، والتهرب الضريبي والجمركي المستشري، والتهريب عبر حدود مشرعة؟ هل نريد البقاء على هامش النظام المالي والمصرفي والتجاري العالمي والا تستعاد الثقة بالقطاع المصرفي الذي لن يستطيع تمويل الاقتصاد؟ هل نريد أن يستمر القطاع العام في احتكار وادارة قطاعات حيوية كالكهرباء والماء والاتصالات والطرقات والمرافىء مع كل ما يترتب على ذلك من سوء إدارة وسوء نوعية خدمات واستخدامه للزبائنية السياسية وما يشكل كل ذلك من عبء واكلاف على القطاع الخاص وعلى الأسر في لبنان؟ وان يستمرعدم الالتزام بالمهل الدستورية والاستنسابية في تطبيق القوانين وعدم وجود ثقافة المسائلة والمحاسبة؟ أن هذا هو التحدّي الاساسي امام اللبنانيين وهو اي هوية نريد للاقتصاد اللبناني؟ لذلك ان محاولات الإطاحة بالقطاع المصرفي وتغيير ملكيتة، او بالمقابل خلق إطار لاستمرارية القطاع، هو في صلب معركة تحديد هوية لبنان الاقتصادية في المستقبل.

الأكثر قراءة

نتنياهو اضاف شروطاً جديدة تعطّل الصفقة ورئيسا الموساد والشاباك يعارضانه القوات اللبنانية: انتخاب الرئيس يكون عبر صندوق الاقتراع بمجلس النواب وليس في مكان أخر لقاء بيصور يؤكد على خط المقاومة