اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مع بداية الحرب على قطاع غزة والمقاومة، أعلنت إسرائيل تبني هدفين رئيسيين هما القضاء على حماس عسكريا وسياسيا وإعادة الأسرى الصهاينة، أما اليوم في عام 2025 ومع استمرار هذه الحرب ثمة جدل واسع حول عدم وجود جدوى لاستمرارها، وأن استمرارها أصبح لغايات سياسية ضيقة تخص نتنياهو وفريقه السياسي.

ان اتخاذ قرار إعادة احتلال غزة اصبح موضع خلاف حاد ورافقته عدة مقالات حول التكاليف وعدم جدواه وانه لا يوصل الى تحقيق النصر المطلق الذي اعلن عنه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، بل أدى الى استنزاف الجيش الإسرائيلي أكثر كما مثل أزمة داخلية متفاقمة تزيد من انعدام الثقة بين القيادة والجمهور، حسب ما عبر عاموس هرئيل.

ففي تقرير مشترك أعده كل من الباحثين كرنيت فلوغ ويعقوب فرانكل في صحيفة يديعوت أحرونوت تحت عنوان" احتلال غزة، الخطر الاقتصادي " اذ رأى الباحثان أن " بحسب تقدير البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي (شباط من هذا العام)، قُدّرت تكلفة إعادة إعمار المباني والبنى التحتية والاقتصاد بنحو53 مليار دولار (أي نحو 180 مليار شيكل)، وهو مبلغ هائل. ومنذ ذلك التقدير، شنّت إسرائيل حملة "مركبات جدعون"، وازداد الدمار في غزة بشكل كبير، وهو ما يعني أن المبلغ الفعلي سيكون أكبر كثيراً. وبالنظر إلى المعارضة الدولية لسياسة السيطرة على غزة، من المرجح أن يقع جزء كبير من تكلفة إعادة الإعمار على عاتق دافعي الضرائب في إسرائيل. وهذا يمثل عبئاً غير مسبوق على الاقتصاد الإسرائيلي الذي يتحمل أصلاً عبء الحرب في العامين الأخيرين. وأضاف الباحثان أن "فضلاً عن هذا كله، يجب إضافة تكلفة تجنيد الاحتياط الواسع وتكلفة الوسائل القتالية المكثفة المرتبطة باحتلال القطاع، وهذا يعني نفقات ضخمة لمرة واحدة، وكذلك نفقات سنوية مرتفعة تضاف إلى ميزانية الأمن، الكبيرة أصلاً.

لكن هذا ليس كل شيء، فالعبء على القطاع التجاري، وبشكل خاص على قطاع التكنولوجيا العالية الدقة، سيكون هائلاً، بسبب التجنيد الواسع للأيدي العاملة الماهرة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي، وكذلك بسبب التداعيات الدولية: إلغاء اتفاقيات تجارية؛ فرض قيود على الصادرات من إسرائيل، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار؛ فرض قيود على الواردات إليها، وصولاً إلى عقوبات تُبعد المستثمرين الأجانب. هذا كله سيؤدي إلى زيادة المخاطر على إسرائيل، وإلى مزيد من الضرر بتصنيفها الائتماني، وارتفاع أسعار الفائدة. " وهذا السيناريو الكارثي، الذي تلقّى فيه اقتصاد إسرائيل ضربات من اتجاهات مختلفة، من المتوقع أن تكون له تداعيات خطِرة على الجمهور. وستكون النتيجة زيادة الدَين العام وفوائد الدَين، وتراجُع النمو الاقتصادي، وارتفاع تكلفة المعيشة وتضرُّر مستواها. كما سيزداد عبء الضرائب ويُثقل كاهل أقلية من الجمهور، تتحمل أصلاً العبء الاقتصادي الأكبر وأعباء خدمة الاحتياط. ولدى كثيرين منهم بدائل عمل جذابة في الخارج، وهناك خطر من هجرة العقول وتراجُع الهجرة إلى إسرائيل من الشتات."

وفي موازاة ان استمرار الحرب على قطاع غزة اظهر عمق وبنيوية الأزمات المجتمعية التي يعيشها الكيان الصهيوني المنطلقة من الانقسام حول مسألة الهوية وصولا الى التمييز الطبقي الإقتصادي والاجتماعي بين مكونات المجتمع الإسرائيلي وهذا ما بدأ يظهر من خلال طرح اسئلة عن مدى قدرة "نظام التشغيل " على الحفاظ على متانة المجتمع الإسرائيلي انطلاقا من عدم السير على الأهواء الشخصية في الحروب التي تتسبب بأزمة اقتصادية ما زالت اسرائيل تعاني منها واخرها في حربها "الأسد الصاعد". ففي دراسة لكل من يوجين كندل ورون تسور في القناة N12 العبرية تحت عنوان  "ستنتهي الحرب، لكن الحساب في الطريق: مَن سيدفع الثمن؟"( ١٤\٨\٢٠٢٥)، " أن للحرب ثلاث تبعات اقتصادية رئيسية: أولاً، تكلفة مباشرة لمرة واحدة تقدَّر، بتحفُّظ، بنحو 200 مليار شيكل؛ ثانياً، خسارة إنتاج محلية كبيرة نتيجة أشهر الاحتياط الطويلة، وتضرُّر النشاط التجاري، والعزلة الدولية التي تمس الروابط الاقتصادية وتقلّص الإيرادات الضريبية؛ ثالثاً، زيادة ثابتة في ميزانية الأمن الجارية لعقد مقبل على الأقل، يُتوقع أن تبلغ نحو 40 مليار شيكل سنوياً. وبحساب تقريبي، سيتعين علينا، نتيجة الحرب، رفع الضرائب بأكثر من 70 مليار شيكل كل عام في العقد المقبل، من دون احتساب التكلفة العالية للخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياط. والسؤال الذي يجب طرحه هو: مَن هم الذين سيتحملون هذا العبء الضريبي الهائل؟ وهل سيتمكنون من القيام بذلك  بل هل سيوافقون عليه؟ فإن اقتصاد إسرائيل غير قابل للاستدامة في مدى زمني لا يتجاوز العقدين، أو الثلاثة كحد أقصى. لكن حينذاك، جاء السابع من تشرين الأول والحرب المستمرة التي أعقبته، فقرّبت موعد الانهيار المتوقع بشكل ملموس."

وفي موازاة ذلك ايضا، ثمة إجماع ان استمرار الحرب لن يكون تأثيرها السلبي مقتصر على حياة الأسرى الصهاينة، بل سيتخطاه ليشمل صورة اسرائيل ككل على الصعيد الاستراتيجي بعد عدم تحقيقها لأهدافها الإستراتيجية الكبرى التي أعلنت عنها من غزة الى طهران، اذ إن هذا الاستمرار في الحرب بدأت تداعياته ظاهرة بخاصة حول جنود الاحتياط وعدم استعدادهم ،عندما تم سؤال نتنياهو لماذا اوققت الحرب على لبنان، كان احد أجوبته ان الجيش منهك وغير جاهز، هذا يدل ان استمرار الحرب سينعكس على كل المجتمع الإسرائيلي، بناء على مقولة بن غوريون الذي سمى الجيش "جيش الشعب" اي ان الجيش ليس له وظيفة عسكرية بين مجتمعية ايضا. فيشير الكاتب في صحيفة يسرائيل هيوم "يؤاف ليمور" في مقال له "ان استمرار الحرب يمثّل خطراً استراتيجياً على إسرائيل، لكن يبدو أن نتنياهو والوزراء تجاهلوا ما سمعوه، تماماً كما تجاهلوا الخشية من أن قرارهم يمكن أن يكلّف حياة أسرى وعدد كبير من الجنود. كما أنهم لم يتأثروا، على ما يبدو، بالتحذيرات بشأن تآكُل القوى البشرية في الجيش النظامي والاحتياط، وتراجُع المخزون التسليحي، وطالبوا الجيش بأن يكون مطيعاً كالشرطة، وكان ذلك أحد التصريحات المذهلة التي قيلت في تلك الجلسة، إلى جانب توبيخ منسق شؤون الأسرى والمفقودين، غال هيرش، بسبب مطالبته بأن تبقى إعادة الأسرى هدفاً أساسياً للحرب، وإذا لم يتراجع نتنياهو ويستمع إلى مَن يسعون لمصلحة إسرائيل في الداخل والخارج، فيمكن أن يقود إسرائيل في النهاية إلى أن تبقى بلا شيء." ويشير يائير غولان في مقال له أيضا في صحيفة هارتس العبرية الى أن استمرار الحرب على قطاع غزة يندرج ايضا تحت اطار وهم نتنياهو اذ يرى الكاتب أن" طوال سنوات حُكمه، لم يتردد بنيامين نتنياهو في استخدام الكذب على الجمهور. فهو يكذب كما يتنفس. لكن الكذبة الأكبر والأخطر هي تلك المتعلقة بالحرب في غزة: كذبة تبرير "الحرب الأبدية"، أو الحرب "حتى النصر المطلق". هذه الكذبة تدفّعنا ثمناً باهظاً من حياة أسرانا، وحياة جنودنا، وحياة البشر في إسرائيل وغزة، وتستمر الحرب ليس لأسباب أمنية، بل لاعتبارات تتعلق بالبقاء السياسي.

تقتضي المصلحة الأمنية لإسرائيل إنهاء الحرب وإسقاط حُكم "حماس". لكن نتنياهو يختار مرة أُخرى سياسة "حماس هي رصيد". فهو يختار مرة أُخرى خطوات تعرّض أمن إسرائيل للخطر من أجل مصلحته الشخصية؛ والحرب التي لا تنتهي هي الغراء الوحيد الذي يُبقي على تماسُك حكومته، التي تعتمد على عناصر مسيانية متطرفة. بالنسبة إلى شريكَيه، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، فإن كل يوم إضافي من الحرب هو "يوم معجزة آخر"، حتى لو كان مشبعاً بالدم والمعاناة الإنسانية الهائلة.

أمّا بالنسبة إلى نتنياهو، فإن حالة الطوارئ هي أيضاً رصيد. فهي تمكّنه من شل الأغلبية الديموقراطية التي تطالب بإعادة الأسرى، والتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر، وضمان مستقبلنا، كدولة يهودية و"ديموقراطية". إن حالة الطوارئ تنتج شعباً مرهقاً، سلبياً ويائساً، وهو ما يسمح لنتنياهو بمواصلة تدمير الديموقراطية وإعداد الأرضية لانتخابات غير حرة، تحت غطاء الحرب، ويضعف آليات الرقابة، ويضر بحراس البوابة، ويخلق واقعاً سياسياً يضمن انتصاره."

بناء عليه تستمر الحرب على قطاع غزة دون جدوى والمتضرر الأكثر منها هو الجيش المنهك دون تحقيق اي من الأهداف الإستراتيجية المعلنة، ما يدل على عمق الأزمة في هذا الكيان القائم اساسا على الجيش وقوات الاحتياط الذي يعاني ليس فقط من عديده انما من شكله ومساره وبعد فشله في الحروب الأخيرة كلها على الرغم من استخدامه خليطا من العقائد العسكرية . 

الأكثر قراءة

الغزو السوري للبنان؟!!