اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


تعاني الرياضات الجماعية في لبنان من أزمات متكررة ترتبط بسوء البنية التحتية وغياب الملاعب الكافية على امتداد الجغرافيا ومن الانقسامات الإدارية وضعف التمويل، وفي ظل ما يحدث برزت في السنوات الأخيرة الرياضات الفردية كخيار جديد لجيل الشباب الباحث عن فرصة للتألق بعيدًا عن الفوضى والمتاعب الإدارية التي لا تنتهي في حياة الرياضة اللبنانية.

في البداية برزت في السنوات الاخيرة رياضة MMA إلى الجودو والكيك بوكسينغ، وعلى الرغم من أن البعض يعتبرها رياضة دموية نلاحظ صعودا لافتا واقبالا على هذه الرياضات، سواء على مستوى المشاركة أو البطولات المحلية والدولية.

ولعل من أسباب صعود نحم هذه الألعاب هي سهولة الممارسة مقارنة بالرياضات الجماعية إذ لا يحتاج الشاب إلى ملعب كبير أو فريق متكامل، بل يكفي نادٍ صغير ومدرب متخصص.

ثانيا، الاستقلالية والانضباط، إن الرياضات الفردية تمنح اللاعب شعورًا بالمسؤولية عن نتائجه، ما يجذب الشباب الباحثين عن إثبات الذات بعيدًا عن التجمعات الداخلية الموجودة في الأندية الجماعية لأن غالبية الفرق في لبنان تجد فيها "شلة" خاصة قد تطغى على نجوم وافدين مما يدخل الكيدية ومعاناة الشباب الصاعد والواعد.

ثالثا انتشار النوادي المختصة، خلال العقد الأخير، ازداد عدد صالات الـMMA والكيك بوكسينغ والجودو في بيروت والضواحي وطرابلس وصور وصيدا، لتلبي الطلب المتزايد.

ولدينا ايضا العامل الاقتصادي فتكاليف الاشتراك شهريًا في نادٍ للفنون القتالية أقل بكثير من كلفة اللعب في أكاديميات كرة القدم أو كرة السلة، ما يجعلها خيارا مناسبا لشريحة واسعة.

نماذج لبنانية لامعة

في لبنان أبطال كثر لمعوا عالميا في الألعاب القتالية وأبرزهم محمد فخر الدين في رياضة "ام ام اي" أصبح أيقونة شبابية وصنع التاريخ بعد ان سجل اسمه كأول مقاتل عربي يتوّج بـ3 ألقاب عالمية في رياضة فنون القتال المختلطة بفئة المحترفين، إذ لقّب بـ"المقاتل العربي الأول"، وفتح الباب أمام جيل كامل للاهتمام بالفنون القتالية المختلطة بعد ان تمكن من اضافة اللقب العالمي في الوزن المتوسط في بطولة BRAVE CF 96 اثر فوزه على المقاتل البوسني إركو جون بالضربة القاضية الفنية.

ورياضة "ام ام اي" تجمع كل الفنون القتالية، مثل الملاكمة والمصارعة البرازيلية والكيك بوكسينغ والكيوكوشنكاي والمواي تاي وسواها، مشددا على أن كل لعبة تحتاج إلى مدرب متخصص.

كما برز عالميا كل من مازن قيس في الملاكمة وآدم السن وأمير السن في المواي تاي. والمقاتلون أحمد لبّان و يوسف غريري وحسن فخر الدين ومحمد غُرابي وجورج عيد .

ويحظى أحمد لبّان الملقب بـ "ذا شادو" خبرة هائلة في عالم الفنون القتالية المختلطة بمنطقة الشرق الأوسط وشرق أوروبا لما يتمتع به من مهارات هجومية عالية ويشرف عليه المدرب درازين فورغاك من فريق "أميريكان توب تيم زغرب"، في كرواتيا.

وحقّقت رياضة الفنون القتالية المختلطة (MMA) في لبنان إنجازاً دولياً جديداً هذا العام يُضاف إلى سجلها المتنامي، حيث أحرز المنتخب اللبناني 10 ميداليات ملوّنة ضمن منافسات بطولة العالم للشباب التي أقيمت في إمارة أبو ظبي – الإمارات العربية المتحدة، بمشاركة أكثر من ألف لاعب ولاعبة يمثلون 62 دولة.

وتألق الفريق اللبناني بواسطة شربل ابو رحال والياس غياض وشربل بو سرحال.

ولدى السيدات لدينا بطلات متألقات ابرزهن زينب خاتون فقد بدأت خاتون مسيرتها الرياضية بلعبتي المواي تاي والإم إم آي قبل أن تقرر الانتقال إلى عالم الملاكمة عام 2017، ولديها صولات وجولات فوق حلبات شرق اسيا وخصوصا في تايلاند حين انتزعت ألقابا وميداليات ذهبية عديدة.

وفي رياضة الجودو شارك لبنان بانتظام في بطولات آسيوية وعربية، وبرزت أسماء شبابية تحقق إنجازات رغم ضعف الدعم الرسمي.

أما عن الكيك بوكسينغ فهناك بطولات محلية متزايدة وعدد من الأبطال يحققون ميداليات في بطولات العالم للـWAKO..

في بطولة آسيا للسامبو 2022 التي استضافها لبنان، حصل الرياضيون اللبنانيون على 10 ميداليات (1 فضية و9 برونزيات)، في أول تجربة من نوعها استضافتها البلاد.

في البطولة العربية للجودو في عمّان عام 2025، حصد لبنان 6 ميداليات (3 ذهبية و3 برونزية) عبر نخبة من المتنافسين مثل دييغو صيقلي وتيريزا الشايب وجيو حداد.

يضم الاتحاد اللبناني للجودو حوالي 25 ناديا وأكثر من 1500 لاعب ولاعبة ، بالإضافة إلى ممارسي البرنامج المدرسي، ويحظى الرئيس فرانسوا سعادة بتقدير عالمي من اليابان لتطويره الرياضة محليا وهو بذل جهدا طيبا خلال فترة توليه رئاسة الاتحاد ولا يزال.

ماذا تعني هذه الرياضة

هي في بداية الامر تنفيس الغضب والإجهاد في بلد يعاني شبابه من أزمات اقتصادية وهجرة، تمثل هذه الرياضات متنفسًا صحيًا.

تمنح اللاعب ثقة بالنفس وشعورًا بالقدرة على مواجهة التحديات. وايضا الابتعاد عن السلوكيات السلبيةف الكثير من الأندية تركز على الانضباط، محاربة العنف العشوائي، واستبداله بطاقة رياضية منظّمة.

وهناك في المقابل تحديات أبرزها ضعف الدعم الرسمي فالاتحادات غالبًا تعاني من قلة التمويل وانعدام الخطط الاستراتيجية. وضعف الإعلام لمتابعة هذه الرياضة فلتركيز الأكبر يبقى على كرة القدم والسلة والسيارات، ما يحد من تسليط الضوء على إنجازات الأبطال الفرديين.

وكثير من الموهوبين يضطرون للاحتراف خارج لبنان، حيث يجدون فرصا أفضل.

هل هي مستقبل الرياضة اللبنانية؟

في ظل الانهيار المتكرر للرياضات التقليدية في لبنان، قد تشكل الرياضات الفردية خيارا استراتيجيا للشباب. فهي أقل كلفة، أكثر جذبًا، وتمنح فرصًا للاحتراف الخارجي بسرعة. ومع ظهور نماذج ناجحة كفخر الدين، يتضح أن الطريق مفتوح أمام لبنان ليبرز عالميًا في هذه المجالات، إذا ما توافر القليل من الدعم والتنظيم.

بالأرقام

بلغ عدد أكاديميات الرياضات القتالية (martial arts) في لبنان حوالي 30 مدرسة حتى ايار 2025، بزيادة 7.14 % عن عام 2023.

توزعت بشكل أساسي على: جبل لبنان: 19 مدرسة، بيروت: 5 مدارس، الشمال: 4 مدارس.

والمدهش أن غالبية هذه النوادي (93 %) مملوكة لمؤسسين مستقلين، بينما القليل منها تابع لعلامات تجارية أوسع ويدار حوالي نصف هذه النوادي عبر الإنترنت، حيث تمتلك صفحات على فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب ولو أن عدد المواقع الإلكترونية محدود.

وفي الختام، لا بد أن نثني على الشباب الذي يتوجه إلى الألعب الفردية لممارسة الرياضة في ظل انعدام الفرص احيانا في الالعب الجماعية والتكاليف المادية الباهظة في بعض الرياضات.