اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

صمت قاتل يختنق فيه الأمل

في زقاق ضيق أو في ضاحية هادئة، هناك بيت يئن بأحلامه المكسورة. شاب أو شابة يقرر أن يلوذ بالصمت الأبدي. الانتحار في لبنان لم يعد خبرًا من زمن آخر، بل صار نداءً خافتًا من داخل جدراننا المتهالكة… صرخة لم يُكتب لها صدى يقتله.

خلال الأشهر الستة الماضية، سجل الأمن الداخلي اللبناني حالات انتحار جديدة، تكشف استمرار الأزمة النفسية والاجتماعية التي يعاني منها الشباب، وسط غياب خطط وطنية فعالة للصحة النفسية (وزارة الداخلية اللبنانية، 2025).

كل حالة هنا هي حياة توقفت، عائلة انهارت، وأحلام لم تكتمل. صمتهم يحمل صرخة واضحة: المجتمع بحاجة إلى الاستماع والدعم الفوري.

أزمة غير مرئية بين الأرقام والوجوه

في العام 2025، شهد لبنان ارتفاعًا واضحًا في معدلات الانتحار مقارنة بالعام 2024، خصوصًا بين الفئة العمرية 23-42 عامًا، وفق تقرير الأمن الداخلي اللبناني.

هذه الزيادة تتزامن مع ضغوط اقتصادية متصاعدة، البطالة، صعوبة تأمين المعيشة، تفكك الروابط الأسرية، وارتفاع تكاليف الغذاء والإيجارات، كل ذلك يزيد من شعور الشباب باليأس والعزلة.

حتى لو بدت الإحصاءات منخفضة نسبيًا بالمقارنة مع بعض الدول الأخرى—فرنسا واليابان، على سبيل المثال، لديها معدلات أعلى لكنها تترافق مع برامج دعم نفسي وطنية تقلل من أثر الضغوط— فإن الواقع اللبناني يسوده صمت قاتل يختنق فيه الأمل (منظمة الصحة العالمية، 2021).

أصوات لم تُسمع… صرخة من داخل الجدران

خلال الأشهر الأخيرة، شهد لبنان ثلاث حالات مأسوية: شاب فقد وظيفته وأصبح عاجزًا عن مواجهة التزامات الحياة اليومية، فتاة تكافح الوحدة والعزلة وسط ضعف الدعم النفسي، وشخص آخر عانى صدمات نفسية لم يجد من يخفف عنها.

"كل يوم هو معركة صامتة، والخيارات تصبح محدودة جدًا. لا أحد يسمع، ولا أحد يتدخل إلا المبادرات الأهلية المحدودة."

اختصاصية اجتماعية في بيروت

هذه الأصوات تكشف حجم الأزمة الخفية، وكيف أن صمتنا المستمر يسمح لهذه المأساة بالتكرر.

بين لبنان والعالم: دروس ممكنة

في دول مثل فرنسا واليابان، الأرقام أعلى، لكن وجود خطط وطنية واضحة للصحة النفسية، مراكز علاجية، وخطوط مساعدة على مدار الساعة، يقلل من أثر الضغوط على الشباب.

الدول المجاورة مثل الأردن ومصر نجحت جزئيًا في التوعية وتفعيل الدعم النفسي المباشر، بينما لبنان يعتمد بشكل شبه كلي على المبادرات الأهلية، مثل جمعية "Embrace”، التي تقدم جلسات علاجية وحملات توعية، لكنها وحدها لا تكفي.

الصمت يقتل

الحياة اليومية في لبنان تضيف ضغطًا إضافيًا: إيجارات باهظة، تكاليف دواء مرتفعة، البطالة المزمنة، وقروض لم تعد قابلة للسداد. هذه الضغوط الصغيرة تتراكم لتصبح كابوسًا ينهش قلب الشباب.

الطلاب يجدون صعوبة في متابعة تعليمهم، الأسر تعجز عن توفير احتياجات أبنائها، وكبار السن يقاومون الحصول على الأدوية الأساسية. كل هذا يخلق بيئة خصبة لليأس والصمت.

جريمة تواجه شباب لبنان

الانتحار ليس موتًا فرديًا، بل سهم يصيب المجتمع بأكمله. هو فشل النظام في أن يسمع، أن يحمي، أن يعتني. الشباب يعانون يوميًا، والأسر تنهار، والضغط الاجتماعي والاقتصادي يزداد بلا توقف.

كل حياة تنطفئ تحمل معها رسالة واضحة: إذا لم نتدخل، إذا لم نصغِ، ستستمر الأزمة وتتفاقم، وسيبقى الصمت قاتلاً.

خطوات عملية… أمل ممكن

رغم الظلام، هناك احتمال للتغيير. خطة وطنية واضحة للصحة النفسية، دعم مالي ومراكز علاجية في كل محافظة، وتفعيل خطوط مساعدة على مدار الساعة يمكن أن يخفف الضغط عن المبادرات الأهلية.

حملات التوعية في المدارس، الجامعات، ووسائل الإعلام ضرورية لتثقيف المجتمع حول علامات الانتحار وطرق التدخل المبكر.

الخطوة العملية القريبة: تعزيز الخطوط الساخنة للأزمات النفسية، وتنظيم برامج دعم مباشر للشباب والعائلات الأكثر عرضة للخطر.

"كل صوت يُسمع، كل دعم يُقدّم، كل تدخل مبكر قد ينقذ حياة."

صمتنا ليس خيارًا

الانتحار في لبنان ليس مجرد أرقام، هو حياة معلقة بين صمتنا وفشلنا في الإصغاء. لن نعيد الأمل لأبنائنا إلا حين نسمع أصواتهم، ندعمهم، ونمنحهم الحق في أن يعيشوا بلا خوف، بلا ألم، وبكرامة. 

الأكثر قراءة

بـري للـ«الديار»: أنا مستعد للتسـوية... إذا كـان الطـرف الآخـر مـستعداً