كثيرا ما يضرب المثل في حياتنا اليومية للدلالة على المفارقات التي يعيشها الإنسان بين المظهر والحقيقة، وبين الشكل والمضمون وبين المعلومة والمعرفة. ومن أبلغ الأمثلة التي نسمعها هو "كالحمار الذي يحمل اسفارا". هذا التشبيه العميق يلخص حال من يمتلكون مسؤوليات عظيمة أو مناصب رفيعة، لكنهم يجهلون قيمتها وجوهرها الحقيقي فلا يزيدون المجتمع إلا عبئا وثقلا.
في واقعنا المعاصر، نشهد صورا متعددة لهذا المثل الحي. أشخاص يعتلون كراس ومناصب ويمسكون بزمام قرارات مصيرية، لكنهم لا يملكون من أدوات القيادة إلا الشكل الخارجي. يملأون الساحات بالشعارات، ويتزينون بالألقاب، بينما يعجزون عن ترجمة هذه المواقع إلى عمل نافع أو إنجاز ملموس. على المستوى المحلي كلنا يعرف كم هم كثر هؤلاء الأشخاص، تراهم في الصفوف الأمامية يملأون الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي بصور جولاتهم التي تطن وصولاتهم التي ترن، وهم في الحقيقة صنج نحاسي فارغ.
عندما نقول "كالحمار الذي يحمل أسفارا" هو أن الأشخاص الذين يكلفون بالعلم أو يحملون الكتب المقدسة في معابدهم دون العمل بما فيها او يدرسون في كتب المعرفة وهم لا يزالون جهالا في قصورهم ، هم كالحمار الذي يحمل كتبا عظيمة على ظهره لكنه لا يفهم شيئا منها ولا يستفيد من محتواها. يشبه هؤلاء بأشخاص يملكون العلم ولا يعملون به، فالذي يحمل العلم دون تطبيقه يكون كمن لا يعرف شيئا، ولا يلحق به أي فضيلة بسبب هذا العلم.
لو يدرك صاحبنا المستحمر أن المسؤولية ليست امتيازا شخصيا ولا وسيلة للتفاخر، بل هي تكليف وأمانة تفرض على صاحبها أن يكون قدوة في الوعي والإخلاص والعمل لتجنبنا في لبنان الكثير من التراجع على كافة الصعد. إذ انه حين يغيب هذا الادراك، يتحول المنصب إلى عبء على صاحبه وعلى الناس من حوله ويكون كارثة على الوطن. إذا المؤلم في القصة هو أن النتائج لا تقف عند حدود الشخص، بل تمتد لتصيب المجتمع بأسره. تضيع الفرص، تهدر الطاقات، يتراجع الأداء، وتترسخ الفوضى. فالمسؤول غير المسوؤل والغير مؤهل يشبه قبطان سفينة لا يعرف البحر، يسير بركابه نحو المجهول.
إن قيمة الإنسان لا تقاس بما يحمله من ألقاب أو بما يشغله من منصب، بل بما يقدمه من أثر نافع ومسؤولية مؤداة بصدق. ومن هنا، فإن أشد ما تحتاجه مجتمعاتنا هو أن تتولى القيادة العقول الواعية والكفاءات الحقيقية، لا مجرد أصحاب المظاهر. فالمناصب إن لم تُترجم إلى خدمة، فإنها تصبح كالأسفار على ظهر الحمار: ِقلا لا ينفع، ومشهدا يثير الحسرة أكثر مما يثير التقدير.
اختم لأقول لا يمكننا أن نصنع من حمار حصان سباق وأن الحمار المتمرس يبقى دائما حمارا.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
11:19
رئيس مجلس النواب نبيه بري: أهنئ عبد الحميد عكيل العواك بانتخابه رئيسًا لمجلس الشعب السوري وأتمنى له التوفيق ولسوريا الأمن والتقدم والاستقرار
-
11:15
مفوضة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس: سنناقش اليوم رسائل سنوجهها للتأكيد على أن مضيق هرمز يجب أن يبقى مفتوحاً، وحرية الملاحة يجب أن تُحترم وألا تفرض أي رسوم.
-
11:12
"الغارديان":حجم الانتهاكات والموت في السجون الإسرائيلية موثق جيدًا ولكن بين الحين والآخر تظهر صورة تذكّر بسجن أبو غريب بفظاعتها
-
11:12
"الغارديان": الأمر المثير للدهشة هو مدى حدوث ذلك على مرأى ومسمع من الجميع
-
11:12
"الغارديان": ما يجري ليس شذوذًا ولا انحرافًا بل هو عرفٌ راسخٌ ومباركٌ صراحةً من قبل أجيال متعاقبة من السياسيين الإسرائيليين
-
11:11
"الغارديان": في سجون "إسرائيل" أصبح التعذيب والموت أمرًا معتادًا وبالكاد تحاول "إسرائيل" إخفاءه
