اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


غداة مؤتمر يالطا في شباط 1945، قال الديبلوماسي الشهير افريل هاريمان، وقد رافق الرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت الى المؤتمر، "لا أحد مثل الانكليز في الحفر داخل الرؤوس". هي الحنكة الانكليزية التي لم تسقط بسقوط الأمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس. الآن يحفرون في الرؤوس الاسرائيلية كما في الرؤوس الأميركية، لتنقل الينا شخصية لبنانية مقيمة في لندن، عن أحد مستشاري وزارة الخارجية، "انهم يتساءلون هنا متى تنفجر العلاقات بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو"؟.

من يصدق أن زعيم الليكود الذي يطلق عليه البعض في واشنطن لقب "الصبي الأميركي"، يفكر بتحويل الشرق الأوسط من منطقة أميركية الى منطقة اسرائيلية، باعتبار أن النبؤات التوراتية ترى أن قيادة العالم، لدى ظهور الماشيح، ستكون لأورشليم لا لأي مدينة أخرى؟

تذكرون أن المفكر الأميركي فرنسيس فوكوياما أحدث هزة لدى صانعي السياسات الديبلوماسية، والاستراتيجية، الأميركية، وحتى العالمية، حين أطلق نظريته حول "نهاية التاريخ والانسان الأخير"، معتبراً أن سقوط الأمبراطورية السوفياتية أزال آخر أثر للايديولوجيات في القرن العشرين، قبل أن يعود عن نظريته، ويلاحظ أن الموجة الليبرالية التي غزت الأسواق وغزت العقول لم تتمكن من اختراق منطقة اللاوعي لدى المجتمعات البشرية، ليصل آيلان بابيه، المؤرخ الاسرائيلي، والأستاذ في جامعة اكستر البريطانية، الى حد الدعوة الى "تنظيف اللاوعي الاسرائيلي من الأرواح الشريرة".

استخدم أيضاً مصطلح "الأرواح السوداء" التي تحكم اسرائيل. هنا القنبلة النووية وقد تحولت الى قنبلة ايديولوجية. وحين يكون نتنياهو في "مهمة روحية"، هذا يعني، انطلاقاً من المنطق الشائع في التوراة (لا تنسوا أهوال التلمود)، أن مفاتيح جهنم في يد اسرائيل، بعدما كان ياسوناري كاواباتا، الكاتب الياباني الحائز نوبل في الآداب، قد سأل الرئيس هاري ترومان "هل تعرف، يا رجل، ما هي جهنم"؟ في نظره، أميركا التي ألقت القنبلة على هيروشيما وناكازاكي هي التي كانت تمسك يمفاتيح جهنم.

استطراداً، وكما يقول الانكليز، لا مشكلة لدى كل أركان الائتلاف الحاكم في الدولة العبرية من تحويل الشرق الأوسط الى جهنم. لنتصور دولة ترتفع فيها الأبراج، والأضواء، وسط جهنم، اذ لا مسافة بين أصابع نتنياهو والأزرار النووية. لكن ترامب، كتاجر عقاري، يفكر بطريقة مختلفة. ثقافة ايديولوجية ضحلة وثقافة استراتيجية ضحلة. ليس الهيكل الثالث الذي يلعب في رأسه كما يلعب في رؤوس القادة الاسرائيليين، وانما ذكريات الكوت دازور ناهيك عن ذكريات لاس فيغاس والبيفرلي هيلز.

حين كانت الضربات الهمجية تتوالى على أصحاب البطون الخاوية، وحملة الطناجر الفارغة، كان أحد معلقي قناة "فوكس نيوز" يتحدث عن "الليلة الراقصة في الشرق الأوسط"، أي ليلة دونالد ترامب الذي لاحظتم أنه يعتمد على دموع زوجته ميلانيا، وهو يبدي تأثره، وهو تأثر الديناصور، على ضحايا الغارات، وبالقنابل التي يبعثها هو بالذات.

في حرم جامعة هارفارد حملت احدى الطالبات لافتة كتب عليها "كبير القتلة في البيت الأبيض". مستشاره السابق ستيف بانون قال "كان يسألني ساخرأ أين يوجد القلب في الجسم البشري"؟. لا شك أنه الامبراطور، وكما سائر الأباطرة الآخرين، قلبه في حذائه، بعدما كان بوب ودورد وروبرت كوستا قد ذكرا في كتابهما PERIL  "أذا أردتم أن تتعرفوا على كائن بشري تخرج النيران من أذنيه فهو دونالد ترامب". من أذنيه فقط...؟ ألا ينطبق هذا الوصف أيضاً على بنيامين نتنياهو. مثلما التطابق بين الشخصيتين في النرجسية العمياء، الافتراق بين رجل يتكلم عن شاطئ الريفييرا، وآخر يتكلم آخر عن أروقة جهنم...

الانكليز، وهم بالمناسبة رعاة أول مستوطنات يهودية في فلسطين (1858 ) وأصحاب وعد بلفور، يقولون ان حلم رئيس الحكومة الاسرائيلية استخدام القنبلة النووية ليبدأ معها "الزمن اليهودي في الشرق الأوسط"، تمثلاً بقول دين أتشيسون، وزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس هاري ترومان، تعقيبا على قنبلة هيروشيما، "الآن كل ذلك الزمن الآخر بات وراءنا. الزمن الأميركي بدأ من تلك اللحظة".

وكنا قد أشرنا الى المقال الذي نشرته، في الثاني من أيلول الجاري، صحيفة "عكاظ" السعودية بعنوان "القنبلة النووية العربية مقابل اسرائيل الكبرى"، وفيه "ان الضمانة الوحيدة لأمن ووجود الدولة، أي دولة، للأسف، هو السلاح النووي".

الايرانيون يعلمون، كذلك الأتراك، كذلك المصريون ان أي حرب ضد اسرائيل تعني اعطاء المبرر لنتنياهو لا لينصب الرؤوس النووية فقط، كما فعلت غولدا مئير في اليوم الثالث لحرب تشرين الأول 1973، وانما لاطلاق هذه الرؤوس، ما يعني أن أي حرب ستكون خاسرة اذا ما بقيت هذه الدول المعنية خارج اللعبة النووية، المحرمة، على كل حال، بالقانون الالهي الأميركي، والذي لا يطاول الدولة العبرية على كل حال.

حتى اشعار آخر، لا سبيل أمامنا سوى البقاء في مضاربنا القبلية، أو في مضاربنا الطائفية. ولكن، ألا يقول الانكليز ان نتنياهو بات على خط النهاية. ايهود باراك سأل "هل رأيتم ما يحدث لآنية زجاجية حين تقع أرضاً". للمرة الأولى يأخذ الصراع بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية هذا المنحى الصارخ. ماذا يعني ذلك؟؟...