اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مع اقتراب إقرار المناهج اللبنانية الجديدة، يبرز جدل تربوي- ثقافي حول موقع اللغة العربية في الصف الثاني عشر للاختصاصات العلميّة. فالقرار بجعلها مادة اختيارية أثار نقاشًا يتجاوز البيداغوجيا إلى أسئلة تمسّ الهوية الوطنية، العدالة التربوية، وروح الدستور. فالعربية ليست مادة عادية، بل اللغة الرسمية المنصوص عليها في الدستور، وأداة التفكير والتعبير وحامل الهوية الجامعة.

المركز التربوي يحاول التخفيف من القرار بالقول إن الطلاب سيواصلون ممارسة العربية عبر المشاريع والأبحاث. لكن هذا الطرح يثير شكوكًا: هل تكفي مشاريع متفرقة لتعويض مادة تُدرَّس بانتظام؟ وهل تتحقق الكفايات بمجرد إدراج فقرة في تقرير أو عرض شفهي؟ أم يتحوّل حضورها إلى "زينة" شكلية فيما تُكرَّس اللغات الأجنبية كلغات للعلم والمعرفة؟ هنا يطرح السؤال: هل ينسجم القرار مع الدستور؟ وهل يُعقل أن تصبح لغة الوطن ثانوية في وقت يحتاج فيه لبنان إلى إعادة بناء هويته التربوية والثقافية؟ وهل يمكن أن يُخرِج النظام التربوي أجيالًا متفوقة علميًا لكنها ضعيفة في لغتها الرسمية وعاجزة عن التعبير بهويتها الأم؟

تجربة مناهج 1997 تقدّم عبرة أساسية. فالعربية، رغم كونها إلزامية حتى الصف الثاني عشر العلمي، أظهرت الدراسات ضعف الطلاب ونفورهم من حصصها، وعجز المعلّمين عن جعلها أداة للتفكير والتواصل. وأكدت التقارير أنّ كتبها الأقل جاذبية، وأن الرأسمال اللغوي عند دخول الجامعة كان ضعيفًا. الأخطر أنّ هذا الضعف لم يُقابَل بإتقان للغات الأجنبية، بل نشأت فجوة مزدوجة: لا إتقان للعربية ولا للفرنسية أو الإنكليزية، ما انعكس سلبًا على الأداء الجامعي. والسؤال هنا: إذا كانت الإلزامية لم تمنع الضعف، فكيف سيكون الحال إذا أصبحت العربية اختيارية؟ ألن يتحوّل النفور إلى تهميش كامل والضعف إلى غياب شبه تام عن عقل الطالب العلمي؟

وفوق ذلك، ينصّ الدستور في مادته الحادية عشرة على أنّ العربية هي اللغة الرسمية للدولة، فيما يترك للفرنسية مجالًا محدودًا يحدّده القانون. وهذا النص مرتكز وطني يعبّر عن هوية جامعة، ما يعني أنّ التعامل مع العربية كمادة قابلة للتقليص أو التخيير يتناقض مع التزام دستوري. وهكذا، فإن جعلها اختيارية في الصفوف العلمية يفتح تناقضًا صارخًا: كيف تُبنى المناهج على أساس الدستور ثم تُقصي ما أعلنه لغة رسمية؟ الاكتفاء بالمشاريع لا يكفي، فالدستور لم يعتبرها لغة ثانوية أو شكلية، بل لغة الدولة والمجتمع والهوية. لذلك يبدو القرار محاطًا بإشكالية مزدوجة: يُقدَّم كتحديث تربوي لكنه يناقض الأساس الذي يفترض أن يستند إليه الإصلاح. والسؤال: هل يمكن لنظام تربوي أن يشرعن تناقضًا مع دستوره من دون أن يزرع أزمة أعمق في وعي أجياله؟

جعل اللغة العربية مادة اختيارية في الصفوف العلمية ليس تفصيلًا تقنيًا، بل قرار يحمل تداعيات تربوية وثقافية حذّرت منها النظريات التعليمية. ليف فيغوتسكي (Vygotsky) أكد أنّ اللغة الأم أداة الفكر، وأي إضعاف لها يحدّ من التفكير المجرد والتحليل. جان بياجيه (Piaget) ربط النمو المعرفي في المراهقة بالتفكير الصوري الذي يتعزز بالتمكن اللغوي، ما يعني أنّ تراجع العربية من إلزامية إلى خيار قد يترك الطالب عاجزًا عن التعبير المنطقي بلغته الأم. ويتقاطع ذلك مع باولو فريري (Freire) الذي رأى في تهميش اللغة استلابًا ثقافيًا يُنتج متعلّمين مغتربين عن هويتهم، ومع بيار بورديو (Bourdieu) الذي اعتبر اللغة رأسمالًا رمزيًا واجتماعيًا، وتراجعها يعمّق الفوارق بين من يمتلكون اللغات الأجنبية ومن يُحرمون منها. أما جيم كامينز (Cummins) فأثبت أنّ إتقان اللغة الأم يعزز إتقان اللغات الثانية، ما يعني أنّ تهميش العربية يضرّ حتى بالإنكليزية والفرنسية، ويناقض فلسفة الانفتاح والازدواجية اللغوية في لبنان. ربط هذه النظريات بالواقع اللبناني يكشف خطورة القرار: فهو يرسّخ النظرة إلى العربية كلغة ثانوية بلا قيمة أكاديمية، ويهدد التعلم الذي يقوم على اللغة كأداة للفكر والهوية.

أما القول إن الطالب العلمي يكتسب العربية عبر الأبحاث والمشاريع في الصف الثاني عشر فمغالطة تربوية. فاللغة ليست نشاطًا عرضيًا ولا مهارة تُكتسب صدفة أثناء تقرير أو عرض، بل أداة التفكير كما أكد فيغوتسكي وبياجيه، تحتاج إلى تدريب منهجي وحصص منتظمة تُنمّي القراءة النقدية، التعبير، والتحليل. الاعتماد على المشاريع فقط يحوّل العربية إلى حضور شكلي: فقرة أو جمل في تقرير، أي لغة تزيين بدل أن تبقى لغة دستور وهوية. الأخطر أنّ ذلك يعمّق الفجوة: من يملك قاعدة لغوية يستفيد، فيما الضعيف يهرب من الكتابة الجدية فتزداد الهوة. كما أنّ المشاريع لا تمنح الطالب فهم النصوص أو التدريب على الكتابة المنهجية، وهي مهارات لا تُكتسب إلا في حصص يقودها معلّم متخصص.

بهذا المعنى، إدراج العربية في المشاريع فقط هو إقصاء فعلي لها من العقل العلمي، وترسيخ لفكرة أنّ اللغات الأجنبية وحدها لغات العلم. وهذا يتناقض مع الدستور الذي نصّ على أنّ العربية هي اللغة الرسمية للدولة، ويفتح الباب لاستلاب ثقافي لا يليق ببلد قدّم أعلام الفكر والأدب. الإصلاح الحقيقي لا يكون بتقليصها أو تحويلها إلى ملحق، بل بابتكار طرق تعليمها وجعلها حيّة ومتداخلة مع العلوم. فالمشاريع والأبحاث قد تدعم، لكنها لا تعوّض حصص اللغة كمادة مستقلة.

قد يقول البعض إننا في عصر الذكاء الاصطناعي والتطور العلمي، وإن الطالب في الفرع العلمي يحتاج إلى تكريس وقته للرياضيات والفيزياء والبرمجة بدل حصص العربية. فهذه المادة، وفق هذا المنطق، لا تخدم مستقبله مباشرة، ويكفي أن يمارسها عبر مشاريع جانبية، فيما يركّز على المواد التي تفتح أبواب الجامعات وسوق العمل. لكن هذا الطرح مضلّل؛ فاللغة ليست ثانوية، بل أساس العقل العلمي. كيف يمكن لطالب أن يحاجج أو يكتب بحثًا أو يصوغ فرضية أو تقريرًا أو يبرهن منطقيًا بلا أداة لغوية متينة؟ اللغة الأم تصقل التفكير النقدي وتحول الأرقام والمعادلات إلى معرفة مفهومة. حتى لو كتب لاحقًا بالإنكليزية أو الفرنسية، فإن قوته تبدأ من العربية. وتهميشها في المناهج يبعث رسالة خطيرة: أن لغته ثانوية، فيما لغات الآخرين هي لغات العلم والمعرفة.

ثم لنتذكّر ما أثبته جيم كامينز: إضعاف اللغة الأم يضعف تلقائيًا اكتساب اللغات الأجنبية. فكيف نتوقع تفوق الطالب بالإنكليزية أو الفرنسية إذا كان أساسه العربي هشًا؟ والأسوأ أن تقليص العربية بحجة "الذكاء الاصطناعي" يرسّخ استلابًا ثقافيًا يجعل لغات العلم أجنبية وحدها. بينما التجارب العالمية واضحة: الصين لم تتخلّ عن الصينية، ولا كوريا عن الكورية، ولا اليابان عن اليابانية؛ بل عزّزت لغاتها الوطنية مع الانفتاح على العالم. والدرس البارز أن التقدم العلمي لا يتعارض مع حماية اللغة الأم، بل يسيران معًا. فلماذا يُطلب من لبنان أن يسلك طريقًا معاكسًا؟

إنّ جعل العربية مادة اختيارية في الصف الثاني عشر العلمي يترك آثارًا مباشرة على الطالب ومعلمه. فالطالب الذي كان يطمح للفرع العلمي سيعتبر حصصها "ترفًا" لا يؤثر في مستقبله منذ بداية الثانوية، فتتراجع دافعيته ويتعامل معها كعبء يمكن الاستغناء عنه. هذه النظرة تمس أيضًا مكانة أستاذ العربية، إذ قد يُنظر إليه كمكمّل بلا قيمة أمام معلمي العلوم والرياضيات. وهكذا تُزرع فجوة تربوية خطيرة: المعلّم، حارس الهوية، يفقد مكانته، والطالب يرسّخ في وعيه أنّ العربية ليست لغة المستقبل بل خيارًا هامشيًا. الأخطر أنّ هذا الوضع يُنتج جيلًا قويًا في الحسابات والمعادلات لكنه ضعيف في التعبير والتحليل بلغته الأم، فيتخرّج طلاب بأدوات تقنية متقدمة لكنهم غرباء عن هويتهم اللغوية، ما يضعف توازنهم الفكري والثقافي على المدى الطويل.

للافت في المناهج الجديدة أنّها، رغم جعل العربية اختيارية في الصف الثاني عشر العلمي، قد تُبقي بعض المواد الثقافية كالجغرافيا والتاريخ والتربية الوطنية تُدرَّس بها. وهذا الترتيب يُكرّس هرمية خفية: العربية للماضي والذاكرة، واللغات الأجنبية للمستقبل والعلم. وهي رسالة ضمنية للطلاب بأن العربية لغة هوية لا إنتاج علمي، ما يحوّل القرار التربوي إلى موقف ثقافي- سياسي يُعيد إنتاج التبعية بدل تعزيز الاستقلالية المعرفية.

جعل اللغة العربية مادة اختيارية في الصف الثاني عشر العلمي ليس تفصيلًا بيداغوجيًا، بل تحوّل خطير في موقع لغة الدستور والهوية داخل المدرسة اللبنانية. التجارب السابقة أثبتت أن الإلزامية لم تحمِ العربية من الضعف، لكن الاختيارية ستفتح الباب لتهميش أوسع. السؤال لم يعد تربويًا فقط، بل وطنيًا ودستوريًا: أي رسالة نوجه لأجيالنا حين نقول إن لغتهم الرسمية "خيار"؟ كيف نطالبهم باحترام لغة الوطن إذا كان النظام التربوي يضعها في الهامش؟ وهل يمكن للبنان أن يخرّج علماء بلا لغة جامعة، أم سنكرّس التبعية اللغوية والفكرية؟ الإصلاح ليس بتقليص العربية، بل بابتكار طرق تعليمها لتصبح لغة علم وحياة ترافق الطالب في مساره العلمي والإنساني. فالعربية ليست ماضيًا فحسب، بل شرطًا للمستقبل. والسؤال المفتوح: هل نبني مناهج تواكب العصر وتحفظ الهوية، أم نفصل العلم عن لغتنا الأم ونترك هويتنا معلّقة على الهامش؟                           

الأكثر قراءة

ليلة القبض على دونالد ترامب