اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

جلستُ في قاعة العرض أترقّب ما سيحمله فيلم BornStars للمخرجة كارولين لبكي، ولم أكن أعلم أنّني على وشك الدخول في تجربة سينمائية تضع المتفرّج في مواجهة مباشرة مع الأسئلة الممنوعة. منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أنّ العمل لا يبحث عن مهادنة أو تسوية، بل يقدّم نفسه كصدمة جمالية وفكرية في آن، كجرسٍ يرنّ في أذن الرقابة والمجتمع معًا.

الفكرة بحد ذاتها صادمة: خمسة أصدقاء ، يجسدهم طوني إيلي كنعان، نور حجّار، إيلي نجم، زياد صليبا، ورايان ليا ، يقرّرون خوض مغامرة محفوفة بالمحظورات، في مشروع تصوير فيلم إباحي داخل مجتمع يضيّق الخناق على أبسط التفاصيل. هنا كان سؤالي الأوّل: كيف مرّ مثل هذا العمل عبر الرقابة، وكيف تسلّل من بابٍ طالما أُغلق بوجه أعمال أقل جرأة؟

البنية البصرية والصوتية

اعتمدت المخرجة كارولين لبكي على تقنيات الغرافيكس بأسلوب محترف ولافت، حوّلت من خلاله المشاهد الافتراضية على شاشة الكمبيوتر إلى مساحة بديلة عن الواقع. فالرسائل الفورية، والتعليقات، والدردشات النصية، تستحوذ على ما يقارب نصف ساعة من العرض، لتجبر المشاهد على متابعة القراءة المستمرة كي يفكك لغة الفيلم. غير أنّ السؤال يبقى حاضرًا: كيف سيتلقّى الجمهور هذا الأسلوب لاحقًا على الشاشة الصغيرة، حيث يغيب تأثير القاعة الجماعي وتتحوّل كثافة الكتابة إلى عائق أمام سرعة المتابعة؟

في قاعة السينما، بدا الصوت في البداية خافتًا، لكن الأمر لم يكن خللًا تقنيًا بل خيارًا واعيًا من صانعي الفيلم؛ فالمشاهد الأولى محصورة داخل شاشة الكمبيوتر، حيث تُستعرض المحادثات والتعليقات، والصوت يخرج كما لو أنّه صادر من تلك الشاشة الصغيرة. هذا التلاعب بالمعادلة السمعية جعل المتفرّج يعيش محدودية التجربة الرقمية بواقعية، قبل أن يبدأ الفيلم تدريجيًا بفتح الصوت وإطلاقه على نحو أوضح وأشمل، ليكتمل التوازن بين الصورة والكلمة والموسيقى.

الفكرة والطرح

المفاجأة لا تكمن فقط في الفكرة بحد ذاتها، بل في جرأة طرحها ضمن سياق لبناني اجتماعي وثقافي محافظ. ما يبدأ ككوميديا شبابية خفيفة يتحوّل إلى مرايا تعكس واقعًا مقلقًا: حدود الحرية، ضبابية الممنوع والمسموح، وكيف قد تنزلق أحلام الربح السريع إلى هاوية المحظور.

ولأن المخرجة تعرف أنّ الموضوع حساس، لجأت إلى المزج بين الكوميديا والواقعية. فالنهفات الصغيرة التي يقدّمها الممثلون ، خصوصًا نور حجّار بخفة ظلّه، وزياد صليبا بعفويته ، تجعل المشاهد يتنفس وسط جدّية الفكرة. ومع ذلك، يبقى الفيلم بعيدًا عن أن يكون “كوميديا خالصة”، بل هو أشبه بجرس إنذار مغلف بالفكاهة.

الأداء التمثيلي

تميّز الممثلون بعفويتهم وصدق أدائهم؛ طوني إيلي كنعان جسّد مزيجًا من الحماسة والارتباك، فيما أضفى إيلي نجم حضورًا صادقًا على الشخصية بعفويته التي منحت المشاهد خفة وضحكة طبيعية. هذا الأداء يعكس واقع الشباب في لبنان الذين يعيشون يوميًا بين أحلام كبيرة وقيود خانقة.

هذه الكيمياء بين الممثلين جعلت الحوارات لا تبدو مصطنعة، بل منسوجة من يوميات شباب قد نصادفهم في الواقع. هنا تكمن قوة الفيلم: أنّه لا يعرض شخصيات متخيّلة بالكامل، بل يعكس مرآة جريئة لطبقة موجودة فعلًا.

الرسالة الأعمق

بعيدًا عن سطحية الطرح التي قد يراها البعض، يحمل الفيلم بين طياته تحذيرًا مبطّنًا: ليس كل ما يُعرض على الإنترنت بريئًا أو مسموحًا، وليس كل مغامرة شبابية قابلة للتكرار بلا عواقب. في النهاية، الفيلم يضع خطوطًا حمراء بلهجة سينمائية: الأولاد بحاجة إلى حماية، والمجتمع بحاجة إلى وعي أكبر، وحدود المسموح ليست دائمًا واضحة كما نعتقد.

كارولين لبكي لا تعظ المشاهد، لكنها تُورّطه في التجربة، لتجعله يخرج بأسئلة أكثر من الأجوبة: هل كل شيء قابل للتجريب؟ وما هو الثمن الحقيقي للمجازفة؟

الإيقاع والزمن

على الرغم من أنّ مدّة العرض تصل إلى ساعتين، إلا أنّ الفيلم لا يترك مجالًا للملل. الإيقاع مضبوط، والتصاعد الدرامي يحافظ على فضول المتلقي حتى النهاية. قد يُؤخذ على العمل أنّه يضع المتفرّج في اختبار صعب في البداية بسبب كثافة النصوص والقراءة، لكن مع تقدّم الأحداث، يصبح الصوت أوضح، وتكتمل المعادلة السمعية - البصرية لتجعل التجربة أكثر تماسكًا.

الخلاصة

BornStars ليس مجرد فيلم لبناني جديد، بل هو تحدٍّ مباشر للذائقة السائدة، للرقابة، وللمجتمع بأسره. فيلم لا يكتفي بكسر التابوهات، بل يضعها أمامنا في قالب سينمائي جريء، يُثير الجدل بقدر ما يُثير التفكير. إنّه عمل يفتح بابًا جديدًا للنقاش حول حدود الحرية الفنية في لبنان، ويضع اسم كارولين لبكي على خارطة المخرجات اللواتي لا يخشين مواجهة الأسئلة المحرمة. 

* مخرج - صحافي وناقد سينمائي


الأكثر قراءة

سقوط نجمة داود عن قبة الكابيتول ؟